جامعيون يوصون الطلبة بالنقد الفكري لمواجهة "دكاترة الكارطون"

جامعيون يوصون الطلبة بالنقد الفكري لمواجهة "دكاترة الكارطون"

كانت ورشة نظمها منتدى الجغرافيين الشباب للبحث والتنمية، حول أدوات البحث الميداني بأطروحة الدكتوراه، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مناسبة سلط فيها أساتذة جامعيون الضوء على أعطاب البحث العلمي والمناهج التعليمية المعتمدة في الجامعة والمدرسة المغربية.

جمال الدين هاني، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، لمْ يُخف أنّ التعليم المغربي بحاجة إلى إعادة نظر على أكثر من مستوى، وتحديدا في الشق المتعلق بتلقي التلاميذ والطلبة للمعرفة، إذا قال إنّ الطريقة المتبعة حاليا تفتقر إلى التفكير النقدي، الذي يجب أن يكون حاضرا في مختلف أطوار التعليم، والتعاطي به مع مختلَف الظواهر.

واعتبر جمال الدين هاني أن التفكير النقدي لا ينبغي أن يقتصر فقط على إنجاز البحوث في مرحلة التعليم العالي، بل يجب أن يمتد من التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي، وأن يتم التعاطي به مع مختلف الظواهر، خاصة في ظل تغيّر منابع العلم والمعرفة، التي أضحت متوفرة على الشبكة العنكبوتية، ولم تعد منحصرة فقط في المدرسة والجامعة.

وذهب المتحدث ذاته إلى القول إنّ طريقة التلقين المتّبعة في النظام التعليمي المغربي أصبحت متجاوزة، وهو ما يستدعي الرقي بالتعليم إلى مستوى أعلى، بتجاوز الاقتصار على تلقين المعلومة للتلاميذ والطلبة إلى تحليلها، وإخضاعها للتفكير النقدي.

علاقة بذلك، دعا هاني إلى السموّ بالمواضيع التي يُمتحن فيها الطلبة والتلاميذ، بجعل أسئلة الامتحانات موجّهة إلى العقل وليس إلى الذاكرة وحدها، مبرزا أنّ هذا السبيل يمكن أن يُثمر نتائج على مستويات عدّة، فعلاوة على كونه يفيد فكر التلاميذ والطلبة، فهو أيضا وسيلة للحد من الانعكاسات السلبية للغش، ذلك أنّهم يوم الامتحان سيجدون أنفسهم ملزمين على استعمال مَلَكة النقد والتحليل، وليس ما تمّ حفظه في الذاكرة.

الجالية المغربية بـ"فيسبوك"

عبد الرحيم العطري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، انتقد بدوره غياب نفَس التفسير النقدي في الأبحاث الجامعية، على الرغم من أنّ أفراد المجتمع يمارسون النقد إزاء مختلف الظاهر المجتمعية بشكل يومي؛ لكنّه نقد شفهي يتم عادة في المقاهي واللقاءات العامة وفي مواقع التواصل الاجتماعي، التي اعتبر المتحدث أنّ كثرة التردد عليها "جعلت منا جالية مغربية مقيمة في فيسبوك".

ودعا العطري الطلبة الباحثين إلى التحلّي بضوابط وأخلاقيات البحث العلمي، وفي مقدمتها التخلص من اليقينيات والإيمان بأن الحقيقة نسبية وليست مطلقة، واعتبار البحث العلمي أداة لإشارة الأسئلة وإنتاج المعنى، ووضع مسافة بين الباحث والنظريات، والتعامل معها بالتفسير النقدي.

أستاذ علم الاجتماع انتقد الباحثين الذين يسعون من خلال إنجاز أبحاث الماستر والدكتوراه إلى نيْل الشهادات الجامعية فقط، دون أن يعنيهم تعزيز وتمتين رصيدهم العلمي والمعرفي، وقال إنّ أوّل سؤال ينبغي على الطالب أن يوجهه إلى نفسه قبل الشروع في تحضير أطروحته هو هل يسعى إلى "تحقيق هدف علمي أم أن هاجسَه خُبزي".

وتابع: "هناك من الباحثين من يسعى من خلال نيْل شهادة الدكتوراه فقط ليكتسب صفة دكتور، تماما كالذي يذهب إلى الحج بحثا عن اللقب الاجتماعي"، مشددا على "أن الباحث يجب أن يكون واضحا مع نفسه منذ البداية، وأن يعي بأنّ الأهم هو استمراره في البحث وفي التزود من معين المعرفة والعلم".

"دكاترة الكارطون"

ما جاء على لسان عبد الرحيم العطري أيّده الأستاذ موسى كرزازي، بقوله إنّ الجري وراء نيْل شهادة الدكتوراه بأي وسيلة، خاصة النقل من الشبكة العنكبوتية، أو ما يعرف بـ"Copier coller"، يشكل خطرا على البحث العلمي وعلى الجامعة، داعيا إلى العمل على وضع حدّ لهذه الظاهرة، التي تجعل من حاملي شهادات الدكتوراه "دكاترة الكارتون".

من جهته، وجّه سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، انتقادا حادا إلى الطلبة الذين يعتمدون في إعداد أطروحاتهم على ما تتيحه الشبكة العنكبوتية، دون بذل مجهود شخصي، قائلا "إن البحث الذي تُستخرج عناصره الأساسية من الأنترنيت فقط لا يفيد البحث العلمي في شيء"، داعيا الباحثين إلى إبراز شخصياتهم في الميدان، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما أنتجه الآخرون.

كما انتقد بنيس طريقة إعداد الأطروحات، ودعا إلى تغيير التقاليد المتبعة في هذا المجال بالجامعة المغربية، حيث يشتغل الطالب الباحث على أطروحته لسنوات ولا تخضع للتقييم إلا يوم المناقشة، بينما في الولايات المتحدة الأمريكية يلزم الطالب بإعداد خمس أو ستّ نسخ؛ وهو ما يجعل النسخة النهائية من الأطروحة ذات قيمة علمية.

ودعا أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس الطلبة الباحثين إلى ألّا يكون مبتغاهم نيل شهادة الدكتوراه فقط، وإنما التزود بالعلم والمعرفة من خلال البحث؛ "لأن المغرب بحاجة إلى نخبة قارئة وشغوفة بالعلم وليس نخبة تعمل فقط، فالدول المتقدمة تقدمت بفضل البحث العلمي أولا وقبل كل شيء"، يردف المتحدث.