عندما انتقد الراحل جسوس حواضر المملكة .. "تمدّن بدون تحضّر"

عندما انتقد الراحل جسوس حواضر المملكة .. "تمدّن بدون تحضّر"

على الرغم من أن أكبر معدلات النمو توجد في المدن الصغرى والمتوسطة، فإن التمدّن بالمغرب شكّل ظاهرة ديمغرافية وجغرافية، أكثر من تشكيله ظاهرة سوسيولوجية وثقافية، حَسَبَ قراءة عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس؛ فالمراكز الحضرية الجديدة التي تبرز وتتنامى لا تتوفّر، عادة، على أهم مقوّمات المدن سواء من حيث البنيات التحتية، أو طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة، أو طبيعة القيم والمعايير، والمعتقدات القائمة في كثير من أحيائها، وعند كثير من سكانها.

ووصف جسوس هذه الوضعية في المغرب بقول: "نحن أمام ظاهرة تمدّن بدون تحضّر"، ثم أضاف قائلا: "نحن أيضا أمام كثافة للسكان في المدن دونَ بروز ثقافة أو حضارة مدينية جديدة تتّسم بما تتّسم به عادة المدنُ في العصر الراهن، من تنوع، واختلاف في الرأي، وحِدة صراع، وتراتبات كبرى، وانهيار في آليات التضامن والتعاون بين السكان، وفردانية، واتجاه نحو الاستهلاك أكثر من الإنتاج".

ويعني، وفق كتيِّب جسوس "الشباب وتحولات المجتمع المغربي"، استعمالُ مفاهيم جديدة في المغرب، مثل: "التراضي، والتوافق، والتناوب، والتداول، والتشارك، والمواطنة، والمواطنة، والاتصال، والتواصل، والتعاقد، والتأهيل، والشراكة، والاستحقاقات، والمجتمع المدني، والشفافية، والخوصصة، والعولمة، والعَلمانية، والانفتاح، والإكراهات، والتحديات، والتحولات، والتنافسية، والمرونة، والشمولية، ودولة الحق والقانون، والتنمية المستديمة.."، أن القاموس اللغوي المغربي، وقاموس المصطلحات في المغرب بدأ يغتني بسرعة كبيرة بعدد من المفاهيم الجديدة التي لم نكن نسمع بها قبل أربع أو خمس سنوات من نهاية القرن العشرين؛ وهو ما رأى السوسيولوجي المغربي أنه يتم "كما لو أن هناك مسابقة بين الواقع من جهة، وبين القواميس، ونظام المصطلحات، ونظام التنظيرات لتأطير هذه الظواهر الجديدة من جهة أخرى".

ما يميِّز هذه المرحلة، بالنسبة إلى جسوس، هو أن هناك تسابقا بين الوقائع من جهة، وبين المفاهيم والتنظيرات والتصورات القادرة على تأطير تلك الوقائع من جهة أخرى؛ فهناك كثير من الوقائع التي ما زالت تبحث عن المفاهيم والتنظيرات الملائمة لها؛ كما أن هناك نوعا من السباق بين الواقع والنظريات "يمكن أن يكون مصدر توترات كثيرة داخل المجتمع المغربي".

التحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع المغربي لا تطال فقط بعض مكوناته الأولية، بل أيضا ركائزه وأعمدته من بنيات، ووظائف، وقيم، ونخب، وتراتبات، وهو ما يجب معه بالنسبة إلى جسوس، قول: "إذا كانت الأحداث تتسارع، وإذا كانت المفاهيم تتوالى الواحد بعد الآخر، فذلك لأن المغرب والمجتمع المغربي الذي وصف بالركود أو الحصر "البلوكاج"، في عدة مراحل من تطوُّرِه، فإنه اليوم على عكس ذلك أصبح يعرف العديد من التحولات وليس فقط التغيُّرات، أي أن هناك تحوُّلا في قواعد اللعب، وفي الغايات، والوظائف، والبنيات التي يعتمد عليها المجتمع.

ويوضِّح جسوس، في نص محاضرة افتتاحية قدّمها متمَّ القرن الماضي في جامعة الحسن الثاني بالمحمدية، أن ما يهِمُّ في هذه التحوُّلات هو أن بعضها قد انطلق منذ ثلاثة قرون أو أربع؛ لكن ما يميّز الوقت الراهن هو تطابق وتلاقي العديد من هذه التحوُّلات في نفس الوقت من جهة، وانكباب الجزء الكبير منها على مسألة المراهقين والشباب من جهة ثانية، فتكون هناك إشكالية التحول بصفة عامة وانعكاساته خاصة على المراهقين والشباب.

ويذكّر عالم الاجتماع بأن المجتمع المغربي قد أصبح مجتمعا آخر في القرن العشرين، نتيجة الاستعمار، وعلى الصعيد الديمغرافي والإيكولوجي، مؤكّدا أن مجتمع الغد سوف يختلف كثيرا عما نتمنى ونتوقّع؛ لأن عددا من التحوُّلات الكبرى قد حدثت؛ ومن بينها صيرورة الانتقال الديمغرافي إلى المرحلة الثانية.

ويبيّن جسوس أن المرحلة الثانية للانتقال الديمغرافي تبدأ فيها معدلات الوفيات في الانخفاض، دون أن تنخفض معها في الوقت نفسه معدلات المواليد؛ وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في نسبة النمو الديمغرافي الصافي، بينما تُعرَف المرحلة الثالثة التي بدأ المغرب يقترب منها، وبلغتها بعض المدن والمناطق، بكونها المرحلة التي يستمرّ فيها انخفاض معدلات الوفيات وانخفاض معدَّل المواليد، ومن ثم ينخفض شيئا ما المعدّل الصافي للنمو الديمغرافي.

ويذكر المصدر نفسه أن الانتقال على الصعيد الديمغرافي ترافقه إعادة توزيع واسعة لسكان المغرب؛ لأن المغرب الذي كان دائما بلدا قرويا تسكن غالبية سكانه دواوير في مناطق مشتّتة، أصبح لأول مرة في تاريخه يعرف "تجميعا للسكان حسب قواعد واضحة، وانتقالا لهم من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب"، وبالتالي أصبح ميزان القوى الديمغرافي ومكان الثّقل الأساسي هو المناطق الشاطئية على الشريط الأطلسي بالضبط، الذي يجمع اليوم خاصة في المنطقة الممتدّة من القنيطرة إلى الجديدة الجزء الهام من سكان المغرب، ومن إمكانيات البلاد المادية والاقتصادية.