هورست كولر .. رجل "المهمات الصّعبة" يخرجُ من متاهات الصحراء

هورست كولر .. رجل "المهمات الصّعبة" يخرجُ من متاهات الصحراء

إلى جانبِ مهمّتها الرّوتينية في ضبْط التّوازن السّياسي في نزاع الصّحراء وبحْثها الدّائم عن حلٍّ يُرضي الأطراف المعنيّة، ستشرعُ الإدارة الأمريكية في مهامٍ جديدة فرَضْتها استقالة المبعوث الأممي هورست كولر، هي البحثُ عن خليفة للرّئيس الألماني الأسبق، الذي خرجَ من "متاهات" الصّحراء بسجلٍّ إيجابي استطاعَ من خلالهِ فرضَ أسلوبه "المُناور" على أطرافِ القضيّة.

وقبلَ اسْتقالتهِ "المُفاجئة"، تعرّضَ المبعوث الخاص إلى الصحراء لضغوطات كبيرة لإيجاد حل للقضية العالقة منذ أزيد من أربعين سنة، خاصة من قبل الولايات المتحدة، التي تضطلع بدورٍ رئيسٍ في صُنع القرار السياسي داخل مجلس الأمن؛ وهو ما سيجعلُ الإتيان برجل "دبلوماسي" شبيهٍ بكولر أمراً صعباً بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، لما حقّقه من توافقٍ غابَ سنوات عن المشهد الأممي.

وأكّد كريم عايش، الباحث في العلاقات الدولية، أن "كولر أصابته لعنة ملف الصحراء ولم يكمل مهمته كما سطر لها من قبل مجلس الأمن"، مرجعاً سبب تخليه عن الملف وانسحابه منهُ إلى ثقله وتعقيداته، خاصة أنه "كان بمثابة تحول هام في تاريخ تعاطي الهيئة الأممية مع ملف الصحراء، بتعيين شخصية أوروبية خلفا لكريستوفر روس".

لم يدرس كولر العلاقات الدولية أكاديميا، لكن حنكته الدبلوماسية جعلت عمله يبرز المنهجية التي اعتمدها لحل عقد كل طرف ولجر بقية الأطراف إلى لقاء تجلس فيه جميعها، فحل نزاع الصحراء يعني الدول الثلاث: المغرب، الجزائر وموريتانيا، قبل أن يعني المغرب والبوليساريو، وهو الطرح نفسه، الذي ما فتئ يشير إليه المغرب منذ البداية، أي "التسطير على الدور الجزائري"، يقول عايش، الذي أوضح أن "كولر استطاع وضع أقدام القضية في المسلك الصحيح، وهو إيجاد حل سياسي متفاوض عليه، غير أنه كان محاصرا بتناقضات أربعة كانت تهدد باستمرار عمله، وبالتالي تحد من مجال مناورته". من بين هذه التناقضات، يذكر عايش "المُطالبة بتنظيم الاستفتاء من طرف البوليساريو والدول الداعمة للانفصال كالجزائر وجنوب إفريقيا، وهي مطالب تعارض مقررات مجلس الأمن وتعيد عجلة مسلسل التسوية إلى الصفر".

ويضيف أنه "أمام هذه المطالب بدتْ مساعي كولر كأنها تدور في حلقة مفرغة، إذ بدل الاشتغال على ميكانيزمات الحل النهائي، صار لزاما إعادة إقناع البوليساريو بضرورة الالتزام بمقررات مجلس الأمن والانخراط في العملية، لأن حصيلة أزيد من 28 سنة صارت في مهب الريح؛ وأصبحت المنطقة على شفا العودة إلى وضع ما قبل دجنبر 1991".

التناقض الآخر الذي يقدّمه عايش هو "الضغط الأمريكي على عمل الهيئات الأممية والتلويح باستعمال سلاح الحظر أو العقوبات ضد الهيئات التي لا تعطي مردودية حول تعاطيها مع الملف، وهو ما شددت عليه الإدارة الأمريكية بتقليص مدة بعثة المينورسو من سنة إلى ستة أشهر، وبروز خلافات بين القوى الكبرى حول التعاطي مع الملف، ففرنسا التي لا ترى بعين الرضا التحركات الأمريكية عملت على جعل المهمة تحدد في سنة كإطار مستقر لبحث أفق الحل".

ويتمثّلُ التناقض الثالث، حسب عايش، في بروز استراتيجية تغيير الوضع القائم أو الدفع بـ"البوليساريو إلى مناطق داخل تراب الصحراء المغربية من أجل القيام بأعمال استفزازية وإجرامية لا يمكن تفسيرها بمسميات سياسية قابلة للدخول في ملف المفاوضات، وبالتالي كان من الممكن أن تتحول مكافحة تلك الأفعال إلى نشوب حرب تنتظرها الجزائر لتوجيه ضربات إلى المغرب بأيدي البوليساريو".

ويرى عايش أن "استقالة كولر تضعه ضمن قائمة أقصر المبعوثين الشخصيين للأمم المتحدة بمدة لم تجاوز السنتين وسط تكهنات بتدهور حالته الصحية وعدم قدرته على الاشتغال، دون التمكن من إحراز تفاصيل أخرى بسبب تكتم المصادر الأممية حول الموضوع وغياب أي مرشح لخلافته في هذا المنصب".