تفسير مغربي جديد للقرآن بـ"لسان العرب" يُثري المكتبة الإسلامية

تفسير مغربي جديد للقرآن بـ"لسان العرب" يُثري المكتبة الإسلامية

"تفسير القرآن الكريم لابن منظور الإفريقي من خلال لسان العرب" كتابٌ عكف على إعداده رضوان ابن شقرون، أكاديمي مغربي رئيس المجلس العلمي المحلي لعين الشق بالدار البيضاء سابقا. ويفسِّرُ هذا العملُ السُّوَرَ القرآنية لغويا انطلاقا من "لسان العرب"، أشهرِ معاجم اللغة العربية، لِمُعِدِّه العالمِ اللغوي ابن منظور الذي عاش في زمن الدولة العباسية.

ويتضمن الجزء الأوّل من هذا التفسير اللغوي تفسيرَي سورتَي "الفاتحة" و"البقرة" انطلاقا من معجمِ ابنِ منظور. ويذكر ابن شقرون في ترجمته لهذا اللُّغَوِيِّ أنه نشأ في القرنين الـ13 والـ14 الميلاديَين في الفترة التي كانت تتوزّع فيها كراسي حُكْمِ الغرب الإسلامي خارج سلطة الخلافة الكبرى في أربع أسر.

ويضيف الأكاديمي أن هذا الانقسام كان وبالا على السياسة، وكان فيه استضعاف للأمة الممزّقةِ أوصالُها، واستقواءٌ لأعدائها المتربِّصين بها، وتمكّن من اقتطاع أطرافها والاستيلاء على شواطئها.

ويستدرك الكاتب موضّحا أن "هذه الفُرقة كانت نعمة على الفن والأدب والحضارة، إذ صارت الدويلات الإسلامية تتنافس في تشجيع ذلك والغلو فيه والزهور به".

ويزيد مبيّنا أن صاحب "لسان العرب" نشأ في هذه الأجواء، وكان ممّن تمكّنوا من ناصية اللغة والبيان والعرفان وعمل في ديوان الإنشاء لدى سلطات دولة المماليك، ووُلّي قضاء طرابلس، وكان محدِّثا، وأُغرم باختصار كتب الأدب المطوّلة بفضل تضلّعه اللغوي والأدبي فكتب مختصراتِ كتب نفيسة مثل "الحيوان" للجاحظ، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، وتَوَّج مؤلّفاته بمعجمه الكبير الذي يُعَدُّ أكملَ المؤلَّفات في اللغة العربية وأشملها.

اللسان والتفسير

يذكر رضوان ابن شقرون أن ابن منظور قد جَمَعَ في معجمه الضخم "لسان العرب" أهم المعاجم التي وضعها اللغويون المتقدمون، مثل: "التهذيب"، و"المحكم"، و"الصحاح"، و"حاشية الصحاح"، و"الجمهرة"، و"النهاية"، وأجاد الجمع والترتيب، واتَّبَعَ فيهِ نهجَ الصحاح في اتخاذ الحرف الأخير من المفردة في بنيتها المجرّدَة بابا، واتخاذ الحرف الأوّل فصلا، فصدرَ هذا المعجمُ اللغوي "جامعا لمفردات اللغة العربية مستوعبا دلالاتِ الألفاظ التي دَوَّنَتْها معظم المعاجم اللغوية السابقة عن عصر هذا اللغوي الفذّ في القرنين السابع والثامن الهجريَين، أي القرنين الـ13 والـ14 الميلاديَيْن".

ويوضّح كاتبُ "تفسير القرآن الكريم لابن منظور الإفريقي" أن في "لسان العرب" تفسيرا لغويا لمعظم آيات الذكر الحكيم إما مباشرة وإما إشارة إليها في سياق معنى لغوي مُعَيّن، وإما استشهادا بها على دلالة من الدلالات اللغوية؛ وهو ما كان "أضواء ساطعة تنير سبيل الدارس للقرآن الباحث عن مقاصده، الحريصِ على عدم الزَّيغ عن نهجه وروحه، تُعينُ على فهم مفردات القرآن الكريم وأساليبه، وتُمهّد السبيلَ الموصِلَ إلى إدراك كثير من الأسرار اللغوية والبيانية والتشريعية للآيات الكريمات".

ويرى ابن شقرون أنه لو لم تكن إلا هذه الأضواء الساطعة المعينة للباحث عن مقاصد القرآن على فهم مفردات القرآن وأساليبه وتمهيد سبيل إدراكه كثيرا من أسراره، لكانت كافية في تبرير الاشتغال باستخراج هذه المعاني والدلالات اللغوية من "لسان العرب"، وجمعِها، وصَنْعَةِ تفسير منها.

منهج التفسير

يبيّن ابن شقرون أنه عند إعداده هذا الكتابَ قَدَّمَ في تفسير كل سورة بمقدّمة منفصلة موجزة تُعرِّف بها، وتتناول نزول السورة وموقِعها ونوعها وموضوعها العام ومحاورها وفضلها إن ورد فيه شيء من السنة والأثر. كما عَرَضَ الآيات موحَّدة أو متقاربة الموضع مرقّمة في أعلى الصفحات ما ورد للمؤلّف فيه قول وما لم يرد فيه شيء، ثم أتبعها بما في "لسان العرب" من تفسير أو بيان أو استشهاد.

وتتبّع الأكاديمي المغربي كل ما له علاقة بالآيات المفسَّرة أو مفرداتها في أجزاء اللسان الخمسة عشر، ونقلها، كما كتب في المحور الذي خصّصه لـ"منهج صنعة التفسير"، نقلا حرفيا خاليا من أي إضافة مع حذف بعض كلام ابن منظور إذا لم ير فائدة في تتبّعه تتعلّق بإيضاح المعاني أو المقاصد القرآنية، واجتهد في تتبّع أوضاع المفردة في مختلف بنياتها الصرفية الممكنة قريبة كانت أم بعيدة؛ "لأنه قد تجد تفسيرات مفردات أو مزيدَ توضيح وبيانٍ وتعليق في غيرِ مادَّتِها".

وأهمل ابن شقرون، حَسَبَ المصدر نفسه، الإحالة إلى اللسان في جميع الآيات تخفيفا على القارئ. كما أظهر ما اعتبرَه مُضمَرا في بعض عبارات ابنِ منظور أو ما يَنْقُلُ من المقولات عونا على الفهم وتسهيلا لإدراك القصد واجتنابا للغموضِ والتّعقيد، واكتفى بتخريج الآيات والأحاديث النبوية؛ لأن في ذلك فائدة وعونا للقارئ على استيعاب المعنى ومعرفة صحة الأثر، دون الشواهدِ الشعرية والمقولات والآثار التي تدخل في عملية تحقيق النص. كما اعتمد في المصحف الشريف روايةَ ورش عن نافع بطريق الأزرق في طبعته المغربية بالرسم العثماني، والخط المغربي التونسي الجزائري الإفريقي الموحَّد، مع أنّ جميع طبعات "لسان العرب" تُعتَمَدُ فيها رواية حفص عن عاصم.

مقصد التفسير

يرى رضوان ابن شقرون أن الأمة في كل زمان، وبالأخص في زماننا هذا، في أمس الحاجة إلى الرجوع إلى كتابها وتدبّره والاستنارة بهديِهِ والعمل به والتماس الهدى فيه والحكم به، وهو ما لا يتأتّى إلا بقراءته وحسن تدبُّرِه وفهمه وتحكيمه والاستمداد منه والعمل بأحكامه والتأدّب بآدابه.

ويسترسل قائلا: "أولى مراحل حسن التلقي والتدبر والاستيعاب معرفةُ الدلالات اللغوية للألفاظ والعبارات والتراكيب التي هي في القرآن الكريم على أعلى درجات الروعة والبديع والكمال والبيان والفصاحة والجمال".

ويؤكّد ابن شقرون أن القرآن الكريم، كما هو حجة في الشريعة بأحكامه وأوامره ونواهيه، هو كذلك حجة في العربية بقراءاته وأساليبه وبنيات ألفاظه وتراكيبه ومعاني حروفه، وأن "كلام الله الأزليَّ الأبدي من الخصوبة والاستيعاب بحيث يستطيع أهلُ كل عصر وأهل كل جنس وأهل كل منزل أن يستخرجوا من دُرَرِهِ ونفائِسه ما يناسب عصورهم وأجناسهم وبلدانهم، فيدفع بهم في مدارج الترقي والخير والسعادة".

ويردّ الكاتب على رأي البعض أن التفسير اللغوي للقرآن الكريم جافٌّ وأقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير، لاعتبارِ أنه لا يتجاوز حلّ ألفاظِ وإعرابَ جمل وبيانَ ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، فيعتبر رضوان ابن شقرون أن التفسير اللغويَّ هو الأصلُ والمبتدأ لتجلية هدايات القرآن وتعاليمه وحكمة الله عز وجل فيما شرع به. ويذكر أن من الأحكام ما لا ينجلي إلا بالغوص اللغوي وتدبّر معاني الألفاظ وحقولِها الدلالية وسماتِها الفنية التي بها يُعْرَفُ إعجازُ القرآن وحِكْمَتُهُ، وبه تنكشف حقائقه، وتُستَكْشَفُ مقاصِدُه وأحكامه وهداياته.

وإلى جانب تأكيد صاحب "تفسير القرآن الكريم لابن منظور الإفريقي"، على سلامة وصفاء ووضوح وبلاغة العربية التي نزل بها القرآن، وعدم إمكان فهمه حقّ الفهم إلا بمعرفة اللسان الذي نزل به وبيانِهِ وبلاغتِه وأسرارِه وجمالياتِه، وتنبيهه عند التركيز على مرجعية هذا الوحي على الحاجة إلى اعتبار اللغة العربية التي نَزَلَ بها القرآن وهُدِيَ بها الناس واتَّخَذَت أبرز دلائل النبوة وروعة الوحي، شدّد ابن شقرون على حاجة العالَمِين اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ما يربط حاضرهم بماضيهم لاستشراف مستقبَل راشد وما يوحِّدُهم ويجمَع كلمتهم، مركِّزا على تجدّد حاجة البشرية في كل عصر إلى من يعيد قراءة القرآن الكريم قراءة ربانية تنطلق من روح الدين وتتحرى مقاصده الإلهية، وتمتح من نظرات جهابذة المتقدّمين، وتستفيد من جهود المعاصرين والمتأخّرين، وتستثمر معطيات الزمان الآنية والحادثة علما وثقافة وتفكيرا واستنباطا.