مبروكي: الأسواق الدينية مفلسة .. و"التعايش" إشهار روحي فاشل

مبروكي: الأسواق الدينية مفلسة .. و"التعايش" إشهار روحي فاشل

في السابق، كانت الديانات تسفك الدماء باسم آلهتها دون أي قلق بشأن "التعايش". والآن، بينما ما زال أتباعها يزرعون الانقسام والكراهية، أرى في الحين نفسه نداءهم إلى "التعايش" مع عدة مفارقات. أليس في الأصل هو نداء إلى "التعاكس مع بدون وجود"؟

كأي محلل نفسي، ألاحظ سلوكيات المجتمع وأصطاد الكلمات وحمولاتها علما أن الكلمة سلاح خطير وتحمل مجموعة من العلل والشرور.

1. المفارقة الأولى: التعايش حالة تواطؤ مع الذات

كل شخص حي في صراع مع ذاته، وبالتالي مع الآخرين، إلزاميا. وتؤدي هذه النزاعات من ناحية إلى تشويه الذات أخلاقياً و/أو جسديًا، ومن ناحية أخرى يمكن أن تؤدي إلى الانتحار والقتل أو على الأقل إلى العنف اللفظي والجسدي للآخرين. وللتوضيح، كل شخص يعاني مع ذاته ومع الآخرين، ومن ثم نرى المشاحنات والعنف بين أفراد الأسرة نفسها وأتباع الدين نفسه.

كيف إذن لشخص لا يتعايش مع ذاته ومع أفراد عائلته أو أتباع دينه يأخذ مكبر الصوت ويعلن "التعايش"؟ أليس هذا "تعاكسا مع الآخرين"؟

2. المفارقة الثانية: التعايش حالة حُبّ

إذا كان الدين قد حولني روحيًا (الكرم، التقمص العاطفي، المحبة، الشفقة،...) فذلك يعني أن أكون دائمًا في حالة حب ولن أرى سوى الحب في أي شخص والشخص الذي يصفعني أميل إليه خدي الآخر. لماذا إذن سأدعو إلى التعايش وأنا لست دائما في حالة حب بل أسيئ الظن؟

3. المفارقة الثالثة: التعايش حالة إخلاص

إن النداء إلى التعايش يعني أن المنادي يرى الآخرين كأعداء أو على الأقل يرى نفسه متفوقا عليهم. ورؤية الآخرين كأعداء هو حُكم! وهذا الحكم هو حكم مسبق وتحيز! وإذا كان لدي تحيز وأحكام مسبقة، فأنا أدعوهم بشكل منافق وغير مخلص إلى التعايش؟ أليس هذا في الأصل دعوة للتعاكس؟

في الواقع من المستحيل أن أكون ما لست أنا!

4. المفارقة الرابعة: التعايش علامة إعلانية تجارية

في الواقع، يعتقد كل دين أن له الحقيقة المطلقة وأنه وحده لديه الحل لجميع مشاكل وأزمات الأرض. ونعلم أن الأسواق الدينية أصبحت مفلسة، وهناك إذن حاجة لإحياء الاقتصاد الروحي. هكذا أطلق الماركتينغ الديني إشهارا تجاريا جديدا عنوانه "التعايش"، يستعمله كل دين: "تعالوا وانظروا، ديننا كله تسامح وتعايش ونريد فقط السلام في العالم". ومعناه الخفي "الديانات الأخرى ليست متسامحة أو أقل تسامحا من دينا"، وهذا في الأصل نداء إلى التعاكس.

ومن الواضح أن هذا النوع من التسويق الروحي "التعايش" فاشل، لأن المواطنين قد فهموا أنهم بالنسبة للأديان مجرد عملة تجارية كما هو الحال في التجارة السياسية.

وفُقدت الثقة....

5. المفارقة الخامسة: التعايش حالة وجود

لا يشعر الكائن البشري في مرحلة تطورنا الاجتماعي الإنساني الحالي بأن له وجودا، بل يشعر بأنه "دون وجود". والمواطن، من خلال ثقوب روحه وذاته يرى غياب حقوقه وغياب العدالة ومعدته الفارغة وآلامه دون حقه في الولوج إلى الرعاية الطبية وجهله دون أن يتمكن من الوصول إلى المدرسة والجامعات واحتقاره وكرامته الغائبة. كيف إذن تجرؤ الأديان على نداء البشر وهم "بدون وجود" أو "بدون عيش" إلى "التعايش"؟ أرى هذا استفزازا ونداء إلى "التعاكس".

ربما حان الوقت لكل دين أن يراجع برامجه الدينية بكل إخلاص لتحضير إنسان جديد قادر على أن تتجلى فيه المحبة والإنسانية والشفقة وخدمة أخيه الإنسان بشكل طبيعي وتلقائي، ونصبح جميعا أصابع يد واحدة وأوراق شجرة واحدة. هل تنادي هذه الأصابع وهذه الأوراق بالتعايش؟ بل لا إدراك لهم باختلافهم. وهذه هي حالة "حب" وحالة "إخلاص" وحالة "وجود".

*خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي