الشاعر سعد سرحان يستوعب درس "باطا" .. الأقدام قبل الأحذية

الشاعر سعد سرحان يستوعب درس "باطا" .. الأقدام قبل الأحذية

دخل مرّة مُصمِّم شاب على السيّدة باطا (لعلّها أخت مؤسّس شركة الأحذية المعروفة بهذا الاسم)، ثمّ بادرها بالقول:

- إليك سيدتي بعض التّصاميم الجميلة.

فردّت عليه السيّدة:

- ومن أخبرك أننا نبيع أحذية جميلة؟ نحن نبيع الناس أقدامًا جميلة.

درس السيّدة باطا هو الدّرس حقًّا، وعلى الجميع أن يعيه جيّدًا. فهي تنظر إلى الجوهر لا إلى القشور (أليستِ الأحذية قشورًا؟).

في عالم التغذية تتصدّر التوابل والصّلصات أهمّ الرفوف، ومع أنّها عناصر مساعدة فقط، فقد وسّعت من سلطاتها بالمُلوِّنات والمُنكِّهات والمواد الحافظة وبالتفاف الشّكل على المضمون وغير ذلك من الأحابيل البرّاقة... على حساب الهدف الرئيس: الصحة.

وإذا طال بنا العمر سنرى أحفادنا يعيشون على هذه الأوساخ الغذائية، وقد بات اللحم والحليب والسمك والسّمن البلدي... من أساطير الأولين.

وفي حقل الأدب، المُعيل للروح والوجدان، انتبه إرنست هيمنغواي إلى الأمر باكرًا حين أكّد أن ليس هنالك وجبة كلّها ملح. ولو لم ينتحر وامتدّ به العمر قليلًا لكان قد شهد كيف صارت وجبات الملح في الأدب، كما في الطبخ، هي ما يحقق أحسن المبيعات، ضدًّا في الشّيخ وبحره الأجّاج.

في الصّين، على عهد ماو تسي تونغ، تمّ إقرار نظام غذائي، مدروس بعناية وشديد التوازن، كان من نتائجه أن ارتفعت قامة من كانوا في سنّ النّمو بسنتيمترات ملحوظة. ولعلّ الصين أقرّت مثل ذلك النظام في غير ما وجه من أوجه الحياة، فإذا هي الآن بوجه في منتهى النضارة، وبقامة يتطلّع إليها العالم، قامةٍ مدينة لرافعة الغذاء غير المرئية وليس لكعب الحذاء المكشوف.

وللتذكير فقط، فإنّ الصين، ذات الحضارة العريقة جدًّا، عرفت أغرب تقليد في الموضوع، التقليدِ الذي نجم عنه الحذاء الخشبي وقدم اللوتس، في تفضيل واضح لجمال الأقدام.

لقد أصبحت عبارة "العملاق الصّيني" تعني نفسها تمامًا، بعد أن كانت، قبل عقود غير بعيدة، أقرب إلى السخريّة منها إلى الوصف.

فهل نعتبر بالصين وغيرها من الأمم المُجِدّة، نحن الذين لا تسفر مطابخنا الباذخة عن غير أجساد لا تجاري أترابها في أي ميدان مهما انتعلت من أحذية ثمينة، كما لا تُخرّج مدارسنا ومعاهدنا، على اختلاف مناهلها، سوى عقول قلّما تضاهي العقول.

درس السيدة باطا كان واضحًا: الأقدام قبل الأحذية. ففي غياب الأقدام ستسود العكاكيز والكراسي المتحرّكة.

ودرس الصين كان أوضح: قامة الإنسان تُشيَّد ولا تُشترى أو تُستعار... فعظامه وما تغذّت عليه هو ما يحدّدها لا الأحذية وحِيَلها مهما علت.