طه عبد الرحمن يقترح "العدالة الائتمانية" أمام التحدّيات المعاصرة

طه عبد الرحمن يقترح "العدالة الائتمانية" أمام التحدّيات المعاصرة

قال طه عبد الرحمن، الفيلسوف المغربي، إن ما يميز نظريته الائتمانية عن غيرها من النظريات الأخلاقية المعاصرة هو التَّفَكُّرُ بوصفه تفكيرا وزيادة، وهو ما يجعلها "تأخذ بأسباب الظاهرة، وتتجاوزها إلى المعاني والقيم الأصلية التي تعطي المشروعية العملية لتأثير هذا الأسباب"، بينما تحذف النظريات الأخلاقية المعاصرة أو تستبدل بها لغة الظاهر بدعوى وجود تناف بين الإيمان والعقل.

وأضاف طه في محاضرة ألقاها بأكاديمية المملكة المغربية، الأربعاء، أن نظريته الائتمانية تنبني على مسلمة منهجية أساسية هي أن الإيمان يَعْقِلُ كما أن العلم يَعْقِلُ، والفرق بينهما أن عَقْلَ العلم ينظر في الظواهر الفرعِ، وعقل الإيمان ينظر في الآيات الأصل، وزاد موضّحا أن الآية ظاهر الشيء المتصل بأفقه المعنوي الأصلي.

ويفرّق كاتب "الحقّ العربي في الاختلاف الفلسفي" بين النّظر في الظواهر الذي يسمى تفكيرا، وبين النّظر في الآيات الذي يسمى تفكّرا، كما يميّز بين العَلْمَنَة، وبين التَّظْهِير؛ لأن العلمنة تفيد إخراج الآية في صورة الظاهرة الدنيوية، كما تفيد إخراج الآية في صورة الظاهرة السياسية، بينما التظهير أعمّ، فلا يوجب تعلقا دنيويا أو قصدا سياسيا، وهو إخراج للآية في صورة الظاهرة، ورغم أن كل عَلْمَنَةٍ تَظْهيرٌ، فليسَ كلّ تَظْهيرٍ علمنة.

ويرى طه أن النظريات المعاصرة تتعاطى تظهير الأخلاق وتحجب التَّفَكُّر، ويقدّم مثالا على هذا التظهير في الأنواع الثلاثة الأبرز للعدالة العالمية التي يراد منها "العدالة التي يتعدّى سلطانها الدولة الواحدة والوطن الواحد"، وهي: "العدالة الدولية، والعدالة العولمية التي تعتبر حدود الدول، والعدالة العولمية التي لا تعتبر هذه الحدود".

ويفترض الفيلسوف المغربي "ضرورة وجود عدالة كونية أوسع من هذه الأنواع الثلاثة"، ترتكز على قيمتين أساسيتين، هما الحرية والمساواة وجَلْبِهِمَا لفَاقِدِهِمَا، ويضيف: "أول المعاني بعد القيم هو الاختيار والاستواء الذي تحقق بين الإنسان وبين الكائنات في يوم عرض الأمانة"، ويزيد مؤكّدا أن "العدالة الائتمانية عدالة كونية توجب أن تكون كل الكائنات حرة ومستقلة".

ويذكّر طه بأن كل دين، سواء كان مُنَزَّلا أو مقلِّدا، يكون ذا "طبيعة ميثاقية"، تحمل تَعَهُّدَات حقيقية في عالم التَّفَكُّر، في حالة عابرة للأديان، وحَصَرَ هذه المواثيق في ثلاثة، هي: ميثاق الإشهاد، وميثاق الائتمان، وميثاق الإنزال، وزاد موضّحا أن نظريّته الائتمانية، قد استنْبَطَت مبادئها الأخلاقية من هذه المواثيق، وهي مبادئ أَوَّلُهَا: الفطرة، التي هي الأساس التفكّري لميثاق الإشهاد الذي أُخِذَ من الأفراد واحدا واحدا، فشهد كل فرد بالربوبية عن معرفة يقينية تعلّقت بالضرورة بصفات وكمالات إلهية دلت عليها، وهو ما خلّف بالضرورة آثارا إيمانية في نفسه، وهي الآثار الإيمانية التي اتخذت صورة معان روحية وقيم أخلاقية بثّت في فطرته، وهو اللزوم الذي يقطع عنِ الفردِ كلَّ حجة في ترك الوفاء بالمقتضى الإشهادي لهذا الميثاق.

ويؤكّد الفيلسوف أن فطرة الإنسان تحمل المعاني والقيم التي يكون بها صلاح حياته، ويذكّر بأن "الفطرة غير الغريزة"، إذِ الغريزةُ جملة الدوافع الحيوية التي تحمل الإنسان على طلب البقاء، بينما الفطرة جملة الضوابط الأخلاقية والروحية التي توجّه هذه الدوافع بما يهذّبها ويصلحها؛ ويترتّب عن هذا أن العدالة الائتمانية توجب إجمالا حفظ الضوابط الفطرية، في سلوك الإنسان عملا وتعاملا.

ويذكر طه أن المبدأ الثاني هو مبدأ الأمانة الذي يعدّ "ميثاقُ الائتمان" أساسَه التفكّري، والمبدأ الثالث هو مبدأ التزكية الذي يعدّ أساسه التفكّري هو "ميثاق الإنزال". ويستخرج كاتب "روح الدين" من هذا الميثاق أن "التزكية تقضي بإخراج الإنسان من الشعور بامتلاك الأشياء إلى الشعور بالائتمان عليها، وفق المعاني الروحية والقيم الأخلاقية التي تحملها فطرة الإنسان..".

ويضيف أستاذ مناهج المنطق وفلسفة اللغة أن هذه التزكية تطورّت فق أطوار إنسانية يُطَوِّرُ تاليها سابقها، ولكلٍّ منها مراتب متفاوتة، ثم يستدرك قائلا: "الناس متساوون باعتبار الإنسانية ومتفاوتون باعتبار التزكية. والناس لا يُسْأَلون عن إنسانيتهم لأنها أعطيت لهم ابتداء، وإنما يسألون عن تزكيتهم في أنفسهم وفي غيرهم لأن كسبها أُعطي لهم، فتَصْلُحُ حياة الإنسان على قدر اجتهاده في التعامل الائتماني لا الامتلاكي مع العالم.. وهو الاجتهاد الذي يتمّ بالمعاني والقيم التي تنطوي عليها فطرة الإنسان التي استمدّها من معرفته بالكمالات الإلهية، والتي جعله تحصيلها يُقِرُّ بأن "مالِكِيَّةَ كلِّ شيءٍ لربِّهِ وَحْدَهُ"".

وبعد نقد مسترسل للنظريّات الثلاث الشائعة في العدالة العالمية، ذكر طه عبد الرحمن أن مقصده هو نقد وتصحيح مسار النظريات الحديثة في هذه المسألة، وردّها إلى أصولها الدينية والإيمانية، بعدما تمَّت عَقْلَنَتُهَا وتَوْجِيهُهَا بما لا يجعل القارئ قادرا على تَبَيُّنِ أصولِهَا الدينية، مؤكّدا أن أسس "النظرية الائتمانية" تساهم في مواجهة التحديات المعاصرة، عن طريق العدالة الائتمانية الكونية التي تتأسّس انطلاقا من مواثيق آياتية.