المفردة العربية في الوسط السامي .. نحو قراءة متعمقة للنص القرآني

المفردة العربية في الوسط السامي .. نحو قراءة متعمقة للنص القرآني

عرف اللسان العربي، كما هو الشأن بالنسبة لجميع الألسن، اكتساب ألفاظه لدلالات جديدة بعد أن استقدم ـ أي لسان العرب ـ بعض صيغه الصرفية من لغات أخرى؛ مفردات كانت تدل على مفهوم محدد، فانتقلت عبر المجاز المرسل لتستقر، عبر مراحل، في الكنف العربي بدلالات جديدة في الظاهر، ومعنى كنهي في الباطن، وذلك عبر العديد من المراحل.

على مستوى تأويل معاني اللفظ القرآني، لم تساهم الكلمات المنتمية لنفس الحقل المعجمي أو les mots voisins، إلا في سوء تفسير الألفاظ العربية، لا سيما القرآنية، والتي لا توظف إلا في سياقات مضبوطة ومن خلال بُنىً دلالية غاية في الدقة (وحي إلهي). فمثلا، نجد الأشخاص المتضلعين في اللغة كثيرا ما يوظفون مفهومين مترادفين على أنهما مفردة واحدة، أي أنهما لا يختلفان إلا في البنية الصرفية. فكان لزاما هنا أيضا، عند محاولة سبر معاني القرآن، أن يحرص المرء على تدقيق الدلالات القرآنية مع اعتبار الوسط السامي الذي تشكل وتطور اللسان العربي انطلاقا منه. فـأَقْـدَمُ من اللسان العربي الذي نعرفه اليوم، وحتى ذلك الذي أنزل به القرآن، نجد اللسان الفينيقي وإلى جانبه اللسان العربي الجنوبي القديم (يمني الأصل) والأوغاريتية وقبلها الألفبائية السينائية الأولية التي سبقتها الهيروغليفية.

وإيمانا أنه لا توجد لغة جاهزة أو أخرى نزلت من السماء جاهزة تامة (لا نقصد هنا نزول الوحي)، فلا ينبغي إعطاء "اللغة" في حد ذاتها قيمة أكثر مما تستحق، بحجة أن كتبا سماوية قد أنزلت بها، فهي ليست بحرا شاسعا كما نتصور، والدليل على ذلك أنها لا تترجم (أي لغة الإنسان) جميع كلمات الله سبحانه: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا"، ولو أن بعض الآيات القرآنية جاءت صريحة في هذا الصدد: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ". فاللغة مجرد وسيط، مجرد ترجمة "مقتضبة" لكلام ما وراء الطبيعة. "اللغة" شيفرة مفكوكة. "اللغة" كالهاتف المحمول: أزرار قليلة .. وبرامج وإمكانيات كثيرة. "اللغة" تروم الاصطلاح و "السبك" و "اللزوم" تارة، والقابلية للنفاذ والتعدي تارة أخرى. فكم من ملحد فرنسي يودع الناس قائلا Adieu وآخر إسباني بالقول Adiós.

إلا أنه لا يجب إنكار أن "اللغة" بصفة عامة أو علومها بشكل خاص، هي عماد جل العلوم. أ ولم يكن الحساب يعتمد في الماضي البعيد على غرافيمات، أي حروف للتعبير على الأرقام، كاللاتينية (I, II, II, IV) والإغريقية (alpha, beta, tetha, omega) والعبرية وحتى العربية ...؟

أ ولا تحمل أسماء جميع العلوم اللاحق suffixe الإغريقي الأصل –ology من اللوغوس logos في إشارة إلى "اللغة"؟

ما ينبغي أن يعيه المرء، هو أن هذه المحاولات التأصيلية والدراسات المقارنة التي يضطر فيها الباحث إلى تقريب اللسان العربي من لغات سامية أخرى عن طريق متون لغوية، ليس الهدف منها بالضرورة هو خلق روابط بين اللغة العربية وبين هذه اللغات، أو أن العربية لم تكن لتنشأ لولا هذه اللغات الشرقية القديمة أو أنها لا قيمة لها بدونها. بل الغاية هي إبراز أن لسان العرب لم ينتظر كل هذه القرون إلا ليكون جاهزا حتى تتنزل به آخر الرسالات السماوية للبشرية، وهي طريقة أخرى للقول أن اللسان العربي هو خلاصة آلاف السنين من صقل وتجويد لغات كبرى كانت من بينها لغات تواصل مشترك lingua franca، وبتعبير آخر، أنه صار من ضمن أصفى وأجود اللغات.

فيما يأتي محاولة لتدقيق مفاهيم وألفاظ قرآنية عربية بالاستعانة بمجموعة من اللغات السامية النظيرة.

الاختلاف واللغط القائمين حول مفهومي "الإسلام" و"العبادة"

"إسلام": من الجذر " س ل م"، وأصله السامي "ش ل م"، وهو لا يفيد بالضرورة المفاهيم التي تكتنفها الحقول الدلالية التي نعرف، والتي تشتق منها الألفاظ "سلام" (طمأنينة، أمان)، و "إسلام" (خضوع) ... بل يدل الجذر الثلاثي السامي (ش ل م) على "التمام"، "الكمال"، "الروعة"، "التميز"، "الانتهاء". وحيث أن اللسان العربي قد تطور وصقل في كنف الأسرة اللغوية السامية، فقد تم، لعدة أسباب وعوامل، استقدام اللفظ/الجذر الثلاثي (ش ل م) برسمه السامي، وتجريد حرفه "الشين" من لثويته الغارية post-alveolar وتحويله إلى صوت لثوي alveolar "سين" في اللسان العربي. أما عن دلالة الجذر العربي (س ل م)، فما يمكن أن يقال بشأنه هو أن هذا الجذر احتفظ بــ "كُـنْـهِ" الأصل السامي بعد أن تطور المعنى وانتقل كناية. وبالتالي، واستنادا لما قيل، فــ "الإسلام"، كما أنه "خضوع" لله، فهو قبل ذلك "كمال"، "إتمام" للدين، و "ختام" للرسالة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا".

إن تسمية "القدس" بأورشليم هي تعريب لكلمة "يروشالاييم" التي قيل تجاوزا أنها تارة تعني بالكلدانية مدينة "ساليم" نسبة إلى "الإله" الكنعاني شاليم.. و "ييرو" (الشق الأول من الإسم) كانت تعني "مدينة"، إلى أن تطورت في العبرية لتصبح עיר "عير" (مدينة) بزيادة حرف العين أول كلمة "ييرو" فيما يسمى في علم الصرف بــ "زيادة أول" prothesis، وتارة أخرى نسمع أن "ييروشالاييم" (مدينة القدس) تعني "ينير السلام" أو "نور السلام".. وحتى قبل حرف "الشين" والذي صار "سينًا" عربيا فقد كان أصل هذا الأخير هو كلمة "شين" السريانية التي تفيد "الطمأنينة"، حيث تكونت كلمة "شيناه" العبرية (نوم) و "سِنَة" العربية (نوم/إغفاء).

كما أن اللفظتان "كمل" (ك ـ م ـ ل) و "سلم" (س ـ ل ـ م) وجهان لعملة واحدة. لِمَ ذلك؟

القلب المكاني metathesis هو الجواب. الأصل الأول طبعا هو "سلم" الذي تغيرت إحدى فونيماته phoneme من "ش" إلى "س"، بحيث كان اللفظ السائد ـ أو لا يزال ـ هو "شلم" (بالآرامية ܫܠܡ وبالعبرية שלם ← "شلم"). والدلالة الكنهية للفظ "شلم" الذي فاض منه الجذر "سلم" هو "الانتهاء"/"الإكمال"، حيث لم يكتسب "شلم" دلالته المتعارف عليها وهي "السلام" (بمعنى السِّلْم أو التحية) إلا بعد خضوعه لتطور دلالي قد دام أزمنة طويلة. إذا فما علاقة اللفظ "سلم/شلم" باللفظ "كمل"؟ لقد حلت الميم محل اللام واللام محل الميم عن طريق القلب المكاني metathesis ، أما الشين أو السين في لفظة "شلم/سلم" فقد اكتسبت صفة الطبقية velar sound فصارت [k] أي "كافاً"، فبرزت اللفظة "كمل"، ومنها "كامل" (تامّ). لعل في الآية المذكورة آنفا إشارة إلى ذلك:

"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا "

أما "العبادة"، فتأويل المرء لها شابته بعض النقائص، كأن يقال مثلا أن العبادة مجرد تذلل وخضوع بالاقتصار على أداء فروض الطاعة لله لا سيما الصلاة (سجود، ركوع، تسبيح، دعاء ...). الأصل السامي للجذر الثلاثي العربي (ع ب د) يحيل إلى غير ذلك. فاللفظ "عبد" في الأسرة السامية، كما أنه يفيد "العبادة/الاستعباد"، فهو يدل على "العمل"، بل وقد يعني اللفظ الآرامي "عوبيدو" (مخلوق) و "عوبيدتو" (شيء، أمر ...): "وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا". فعندما تقول الآية: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فهو إشارة إلى أن الثقلان ملزمان بميثاق إلهي (الخلق) على شكر وتمجيد الخالق بمجموعة من الفرائض التي تتطلب الكد والعمل (صلاة، زكاة، بر، معروف، معاملة ...). ولذلك يمكن أن نستنتج أن اللفظة "عبد" مكونة من وحدتين صرفيتين "العين" التي التصقت agglutination بالمورفيم الثاني "بد" (مناص) ع + بد = عبد. (أي: لا مناص للمخلوق من أداء واجبه تجاه الخالق).

رحلة الشتاء والصيف .. تأليف قلوب قاسية

كتب أحدهم: سُمّوا "قريشاً" (أي أهل مكة) لأنهم "يتقرشون" أي يتجمعون حول الشيء، والتقرش هو التجمع!!! ...

"قريش"، أصلها في السامي من اللغات، خاصة السريانية الآرامية هو ܩܪܣ qras "قرس " وتعني "صُلْب"، "جاف"، "شديد" ... أ ولم تكن قريش كذلك؟ وإلا فلم توظيف الرحمن هذه الصورة البلاغية من خلال الآية القرآنية: "لإيلاف قريش". بغض النظر عما يعنيه "الإيلاف" وقصة ذلك الميثاق التجاري العربي، فإن "الإيلاف" الذي انبثق عن "الآليف" الفينيقي و "الأولف" السرياني و "الألف" العبري و ال alpha الإغريقي، يفيد التعليم والتلقين وتأليف وترطيب القلوب القاسية. التقاء "إيلاف" و "قريش" في جملة واحدة من المحسنات البديعية التي تفيد شكلا فريدا من الطباق وهو ذلك الذي يغير فيه اللفظ الإيجابي اللفظ السلبي المضاد (إيلاف - قريش).

"خشية" أو "خوف" .. أحدهما أصدق !

يمكن اعتبار اللفظ الفينيقي "حيس" (أَحَسَّ) هو الأصل etymon ، فالراجح أن من خلاله تغيرت مخارج بعض حروف الكلمة وطرق نطقها place/manner of articulation إلى أن حصلنا في السريانية الآرامية على اللفظة ܓܰܫ gash "چاش" (أحَسَّ، تَحَسَّسَ، مَسَّ ...) ومنها ظهرت أزواج معجمية عربية من بينها "جَسَّ"، "أَحَسَّ" و "خشي". وفي العبرية لفظتي הרגיש hirguish "هرچيش" و חש hash "حاش" (أَحَسَّ)، كما تشكلت ـ ولا مجال لمعرفة كيفية ذلك ـ تشكلت كلمة ܡܰܫ mash "ماش" السريانية التي تترجم بالعربية كذلك إلى "مَسَّ" و "أحس"، حيث نشأ الفعل العربي "مس".

فكيف إذاً يمكن التمييز بين "الخشية" و "الخوف" من منظور قرآني؟ لا بد أن نعي أولا أن "الخوف" في القرآن لم يأت فعلا مركبا "خاف من" أو متعديا: "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" و "يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار"، وهناك النفي والنهي الذي يسبق لفظة "خوف" من خلال بعض الآيات "قلنا لا تخف" ... فالخوف بالتالي هو فعل ميكانيكي لا إرادي reflex لا يفكر فيه الكائن، فالملائكة ككائنات تخاف الله وتعبده ولا تعصاه وتطيع الله دون مجادلة. ولذلك "أوجس في نفسه خيفة موسى": أوجس من ܓܰܫ gash "چاش" السريانية) لأنه كاد ليغذي ذلك الشعور بأن سحرة فرعون سيتمكنون من سحر الناس، لولا أن قال له الله "لا تخف". أما "الخشية"، ومن خلال ما ذكرنا، فهي، ولارتباطها وانبثاقها عن حقل معجمي مختلف وهو "الإحساس"، فهي ضرب من "الخوف" ولكنه يختلف عن هذا الأخير من حيث أنه يتطلب مجهودا صادقا من المرء وتريثا. ولذلك بقي النبي موسى "خائفا"، ولم يلق عصاه في التو، إلا بوحي إلهي.

حواريون .. بِيضٌ أم أَخِلاّء؟

قيل في بعض المراجع أن "الحواريين" أصحاب عيسى بن مريم اكتسبوا تلك الصفة نسبة إلى لون ثيابهم الناصعة البياض (أحور/حوراء). هذا المنطق يفهم منه أن كل من دأب على ارتداء الأبيض من الملابس فهو "حواري"!!! هل استنادا إلى ذلك، لم تكن لدى الصحابي الزبير بن العوام، "حواري" الرسول هذه الحظوة إلا بفضل هندامه الناصع؟؟؟!!!

في لغات الأسرة السامية، اللفظ "ح و ر" يعني فعلا البياض او لبس البياض أو التطهر والصفاء. ولكن اللفظ "ح و ر" قد تطور دلاليا بعد أن صارت الحاء خاء، فنحصل في العربية على كلمة "خير" و "آخر". فالصفاء، والذي يعتبر البياض إحدى سماته، هو مبلغ المبالغ. فعندما وردت في القرآن عبارة "إنه ظن أن لن يحور" (وليس يخور) أي دون نقطة فوق الحاء، فذلك يعني أنه يظن أنه لن يبعث في "الآخرة" (والآخرة "خير" وأبقى). وعندما يقال "احتار" فلان، فذلك يعني أن الشخص يكون مترددا بين أمرين "خيرين". أما عندما يقال "اختار" فلان، فقد قرر وحدد موقفه بالضبط.

وبالتالي، فانطلاقا مما ذكر، فحواري فلان هو صفيه ومختاره وخليله ...

الألباب قبل القلوب ...

ما سمي القلب قلبا إلا لتقلبه *** فاحذر على القلب من قلبٍ وتقليبِ

هذا البيت الشعري هو إحدى الاجتهادات التي لا يسعى الناظم من خلالها إلى تأصيل الكلمة بقدر ما يحرص على توظيف مجموعة من المحسنات البديعية كالجناس والطباق لإضفاء جمالية على القصيدة. ويقتصر هذا النوع من "الاجتهادات" على تحديد أصل الألفاظ اعتمادا على النبرة التسجيعية التي قد تنتج عن الاشتراك اللفظي لبعض المفردات كما هو الشأن بالنسبة لـ "ق ل ب". فأن يقال أن القلب سمي كذلك لتقلبه هو مدعاة للتساؤل.

اللفظة "قلب" توحي مرة أخرى بخاصية الالتصاق الصرفي الذي يصطبغ به اللسان العربي، ما يعني أن هذه اللفظة من الألفاظ التي تشكلت انطلاقا من جذر ثلاثي ومقطع صرفيmorpheme ، فاللسان العربي، يعتبر الوحيد من ضمن أبناء أسرته السامية الذي يشير إلى ذلك العضو الحيوي الداخلي أو المضخة أو العقل أو الروح بلفظة "قلب"، على عكس اللغات السامية الأخرى كالعبرية lev أو levav (قلب) والآرامية lebo (قلب) ومنهما كلمة "لُب" (عقل). ولا عجب أن نجد أن هذين الأخيرين أصل الاشتراك اللفظي بينها وبين كلمة love الإنجليزية (حب) و liebe الألمانية (حب) و люблю "ليوبليو" الروسية. وبالتالي فإن كلمة "قلب" تشكلت عن طريق الالتصاق الصرفي :agglutination ق + لُبّ = قلب. وقد التصقت القاف بـ "لب" كما التصقت بــ "لَـــم" لتتشكل كلمة "قلم" المجاورة لكلمة "علم".

"طفولة" أم "بنوة"؟:

"نحن نرزقهم وإياكم" - "ثم نخرجكم طفلا" ـ "وألقيت عليك محبة مني" - "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم".

لا يهمنا تأصيل بعض ألفاظ هذه الآيات بقدر ما تهمنا الغاية من توظيف لفظ دون آخر. "طِفْل": من فعل طَفَلَ أي "اعتنى بــ" وفي القاموس العبري مفردة טפל tippel (اعتنى بـ) و טפל tuppal (عامَلَ). الطفل (أو الرضيع في بعض الحالات) مخلوق ضعيف لا يقوى على فعل شيء، لا يستطيع الاقتيات إلا بمساعدة غيره، فيتم "الاعتناء به" في انتظار بلوغه السن التي يمكنه فيها الاعتماد على نفسه قبل أن يودع "الطفولة" (أو مرحلة "الاعتناء").

هل، باستثناء حالات قليلة يترك فيها الرضع عرضة للهلاك، سبق وأن أهمل أبوان رعاية أطفالهم، أو طلبوا مقابلا عن هذه "العناية"؟ إنه سُنّة أو قل إلهام (إلزامي) ← (وألقيت عليك محبة مني). "الطِّفْل" أو "المعتنى به طوعا أو كرها" هو لفظ يوظفه الملحد والمؤمن على حد سواء.

الشبهة في تسميتها حروفا وبالأحرى وصفها بــ "المُقَطَّعَة":

قال أحد المهتمين بلغات الشرق القديم: "ألم"، "ألر"، "حم"، "حم عسق" ... عبارة عن "كلمات" آرامية. أما أن تكون آرامية فتلك قصة أخرى، إذ إن هذه اللغة أحدث عهدا من الفينيقية مثلا، فكان الأحرى الاستناد إلى اللغة الأقدم واعتبار ما سمي تجاوزا بالحروف المتقطعة "آيات" أصلها لغات سامية مختلفة. فبلغة النحاة الصفائيين، "ألم"، "ألر" ... هي حروفletters ، والأصل أن اسمها الحقيقي هو "آيات". الدليل:

ـ في العبرية، אוֹת "أوت" تعني "حرف"، وفي الآرامية ܐܬܘܬܐ "أوتوتو" otuto (حرف) و ܐܬܐ "أوتو" oto (علامة، آية، معجزة ...). ومن هذه الكلمات جاء اللفظ الإغريقي الشهير auto. وبالتالي فما تم وصفه تجاوزا بــ "الحروفا المقطعة" هي "آيات" الكتاب المبين، (letters, signs, miracles, markers ... ) وليست كلمات ...

الهدى .. أساسه الحمد والشكر:

المرات الستة عشر التي وردت فيها ألفاظ مشتقة من الجذر الثلاثي "ه د ي" في سورة الأنعام، من المؤشرات، كما هو معتمد في تحليل الخطاب، التي لها أهميتها ودلالاتها. فتكرار اللفظ في نفس النص واشتماله على أدوات بلاغية من قبيل التوكيد اللفظي هي مميزات تسترعي اهتمام المحلل البنيوي للخطاب. فلماذا تضمنت السورة المذكورة عددا مهما من الكلمات القريبة لفظيا من "ه د ي"، فيما يعرف في تحليل الخطاب بعبارة high frequency أو التوظيف المتقدم لمفردات معجم معين؟

يلاحظ أن لفظة "أنعام" ورد ذكرها أربع مرات في نفس السورة. ففي المرات الثلاثة الأولى (الآيات 136، 138، 139) ، تم فيها التركيز على جحود بعض الناس وكفرهم بنعمة "الأنعام":

ـ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ

ـ وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ

ـ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.

أما في المرة الرابعة والأخيرة، فيحث فيها الله على شكر هذه النعمة وكيفية ذلك: وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (الآيات من 142 إلى 144).

هناك إذاً علاقة بين وفرة مفهوم "الهدى/الهداية" في هذه السورة وبين المحور الرئيسي لهذه الأخيرة (الأنعام). فلنتعرف على أصل وجوهر اللفظ "ه د ى": في بعض لغات الأسرة السامية، يؤدي الجذر "ه د ي" نفس المعنى: "الشكر". ففي الفينيقية (أو العبرية القديمة) نجد اللفظة "تهاواداه" (شكرا)، والتي انبثقت عنها في الآرامية لفظة ܬܘܕܝܬܐ "تاوديتا"tawdita (تقديم الشكر)، وفي العبرية תודה "توداه" أو "هوداه" (شكر)، وحتى في العربية نفسها نجد كلمتي "هَدْي" (قربان لشكر الله) و "أدّى الشيء". فما العلاقة إذاً بين "الهدى" و "الشكر"؟: "الهدى" يفيد الرجوع/العودة: "إنا هدنا إليك" أي "عدنا أو تبنا إليك" (إلى طريق الهدى). أما "الشكر" في صيغته الصرفية السامية "ه د ي" فقد اكتسب دلالته من كون الشكر اعترافا بالجميل أو إعادة الجميل لصاحبه. ففي القرآن، ولا سيما سورة الأنعام، يرتبط مفهوم الهدى بالشكر، وذلك هو السبب وراء كثرة الألفاظ المشتقة من "ه د ي" في هذه السورة، كأسلوب لحث الناس على شكر نعمة "الأنعام"، حيث أنه بدون شكر النعمة لا تكتمل الهداية: الحمد لله رب العالمين—› إهدنا الصراط المستقيم —› صراط الذين أنعمت عليهم.

"النبات" يؤتي أكله حتى قبل الإثمار !

في الكنعانية الفينيقية، اللفظة "نبتا" كانت تعني "عسل"، فحذف آخرها لتتشكل في العبرية المفردة "نب" (نماـ أزهر ...).

وهذا مظهر من مظاهر التطور الدلالي عن طريق تخصيص المعنى، حيث أن النبات (الورد) هو أصل الرحيق الذي يقتات منه النحل لإنتاج العسل.

اللسان العربي يستقدم إلى كنفه هذه الألفاظ بشكل يتغير معه معناها الأصلي، كأنما يثير القرآن انتباهنا من خلالها إلى ضرورة استشفاف مدلولها الكنهي العميق والذي قد نجد فيه الموعظة الحقة الواجب اتباعها. "فأنبتها نباتا حسنا": هذا "النبات الحسن"، وعلى المستوى الدلالي، أبعد القرآن بفضله الشبهة عن مريم العذراء، بمعنى أن "النبات"، وقد كان يعني في الماضي السحيق "عسل"، أي أنه استخرج من رحيق أقبل عليه النحل عن طيب خاطر، يضاهي في تمامه وكماله ذلك النبات الحسن الذي أنبتت إياه البتول، أي أنه خلاصة رحيق (عسل) أصله نبتة (زهرة) لا يختلف حول صفائه أحد بعد حدوث تفاعلات داخل بطون النحل بشكل لا رجعة فيه، كما هو الحال بالنسبة لطهارة مريم .. لا نقاش ولا رجعة فيها، كأن يقال "إنه من عبادنا المخلَصين" (بفتح اللام) وهو ما ينطبق تماما على مريم التي أُلهمت الإخلاص. وكل هذه البلاغة القرآنية هي لدرء الإفك الذي تعرضت له مريم بنت عمران: "لقد جئت شيئا فريا"، والتي تم التشكيك في عفتها المعروفة بها طيلة سنوات بعد أن رأوها تحمل ابنها عيسى بين ذراعيها.

المال .. أولى "المكاسب" !

الأصل الفينيقي (الكنعاني) ksp "كسف"، ويعني "فِضّة"، تطورت انطلاقا منه، عن طريق الكناية، مجموعة من الألفاظ تنتمي للغات سامية كنعانية، بعد أن خضعت دلالة اللفظ الفينيقي ksp للتخصيص (فضة ← نقود). ومن بين الألسن التي عرفت هذا التطور:

ـ العبرية: כסף kessef "كيسيف" (مال/نقود/فضة)

ـ الآرامية: ܟܣܦܐ kessfa "كيسفا" (مال/نقود/فضة)

ـ العربية: (حالة خاصة، حيث تشكلت إحدى الأفعال بعد خضوعها لنوع من التضييق الدلالي حتى أصبحت تفيد "الربح"، وذلك من خلال فعل "كَسَبَ/يكسب"): "فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ". في هذه الآية، هناك إحالة بعدية cataphora من خلال عبارة "ليشتروا به ثمنا قليلا" لعبارة "مما يكسبون".

أما "الكِسَف" أو السحاب المركوم فلونه عادة ما يكون رماديا وهو لون الفضة.

أما عن تشكل أسماء النقود والعملات، فيمكن استقاء بعض الأمثلة في ذلك:

"ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك": (آل عمران: 75). "الدينار" عملة فضية أصلها روماني من denarius ويعني "عشرات" أي عشرات من العملة الرومانية البرونزية Aes ومن denarius التي اشتقت بدورها من الإيطاليقية decennium عن طريق حذف وسط syncope للمقطع ce-- من نفس الكلمة، تشكلت اللفظة الفرنسية denier التي تترجم بالعربية إلى "موارد" أو "أموال."

أما عن هذا النوع من الجناس الموظف في الآية المذكورة "دينار ــ يؤدِّهِ" فلم يطبع الجملة فقط لغاية بلاغية، بل وأيضا لتدبر دلالة كنهية وهي "الأداء" من "الهدى" والهدى أصله الشكر كما تدل على ذلك الألسن الشقيقات للسان العربي: فينيقي "تواديا"، عبري (توداه) من فعل "ليهودوت" (أي أن الشكر يضمن الهداية). ومن الاشتقاقات الأخرى "الهَدْي" ما يذبح تقربا وزلفى أو شكرا لله. أما أن تكون هناك علاقة قرابة بين denarius ومفهوم الشكر السامي "توادياه" أو "توداه" فلا يمكن ادعاء ذلك. الراجح أن تكون لفظة "دانة"، "دنان" أو "دانات" قد فاضت عن denarius ، رغم أنه لا دليل أو معطى لساني دياكروني على ذلك.

مفهوما "البُنُوَّة" و "الأُبُوَّة"

هناك لغط والتباس كبيرين بخصوص هذين المفهومين. فالبُنُوَّة كما يدل عليها تركيبها الصرفي، تشكلت وحداتها انطلاقا من الجذر "ب ن ي" الذي يفيد إلزاما مفهوم "البناء". وهذا الأخير بدوره يستمد أصله من الأسرة السامية التي يعرف فيها "الحَجَر/الصخر بـــ אבן even "إڤـن"، ومنه جاء مفهوم "البناء" واللفظ "لَبنَة"، وذلك لأن الحجر/الصخر أصل البناء، وبالطبع ظهر، انطلاقا من هذه المفردات، لفظ "إبن/إبنة". الأصل في هذا الاشتقاق .. أو خروج كلمة "إبن" من كنف اللفظ אבן even "إڤـن" (صخرة/حجر) هو أن "الأبناء" (الأجنة) يبدأ التأريخ لها، ليس عند بداية تكونها في الأرحام، ولكن في ما يسمى بــ "ليلة البناء" Day of Conception. ، ولكن ماذا حدث عند ترجمة الكلمة السامية الأصل bar "بار" (إبن) إلى لغات أخرى؟ "البرء" (الخلق)، كما أنه يفيد في اللغات السامية الأصل "البنوة" فهو يفيد "الخلق" (الإنشاء من العدم). فمن منظور مسيحي (سيرياني)، كانت البنوة ركيزة عقدية أساسية ضمن أقانيم الثالوث، وهذه البنوة مصدرها "البرء" (الخلق). أ وليس "الإبن" bar "بار" مخلوقا؟

أما فيما يخص "الأُبُوَّة"، فهذه الكلمة أيضا نتاج لوظيفتها: الفعل هو آب ـ يؤوب ـ أوبًا (عاد، يعود، عودا). الأب ـ أو الأب الأول ascendant ـ هو "الغصن" الأول أو كما يسمونه שׁבט shevet "شِــڤـِـــط" ومنه كلمة "سبط" التي تطورت حتى أصبحت تعني "إبن" بعد أن كانت تعني "قبيلة/غصن/عشيرة". في رأيي أن كلمة שׁבט shevet "شِــڤـِـــط" هي أصل كلمة "أب" وأصل كلمة "توبة" لانها تفيد العودة والرجوع إلى الله وكذلك اللفظ العبري תשובה tshuvah "تشوڤاه" (توبة)، ولكن "الأبوة"، ورغم تطورها انطلاقا من مفهوم "الرجوع"، الرجوع إلى الأصل أو "الغصن"، فإنها ـ أي الأبوة ـ اتخذت منحا دلاليا مختلفا، فالله "ننوب" أو "نؤوب" أو "نتوب" إليه ولا نتخذه "أبا"، لأن الأبوة استقطبها حقل دلالي آخر أدرجها في معجم "العائلة"، ومع ذلك فهي لا تشكل شبهة عقدية كونها لا ترادف كليا مفهوم "الولادة" (لم يلد ولم يولد) (ما كان لله أن يتخذ من ولد).

"عيسى"، "يهوشواع"، "يوشع"، "يسوع"، "ييشو" أم "عيسو"؟

قال هذا أن اسمه كان هو "يهوشواع" (الرب مُخَلِّص)، وقال ذاك لا بل "ياشو" أو "يشوع"، حتى تم تعريب الإسم إلى "يسوع"، حيث من المحتمل أن خلطا قد وقع ــ عمدا أو سهوا ــ بين هذا الإسم وبين "يوشع بن نون" فتى موسى، حيث أن الراجح على أن هذا الخلط ناتج عن علة الحرف j اللاتيني القريب لفظيا من حرف iota الإغريقي، حتى ظهر الإسم اللاتيني للنبي عيسى Iessus ومنه .Jesus الإسم الذي خص به القرآن بن مريم هو "عيسى" وهو الأقرب إلى الصواب، إذ يحمل معلومات قيمة حول هذا النبي. لماذا؟ "عيساو" Esav هو الأخ البكر للنبي يعقوب، والذي اشترى منه هذا الأخير، حسب النص التوراتي، حق الإبن الأكبر مقابل صحن من العدس، وذلك ليحصل على مباركة أبيهما النبي إسحاق! "عيساو" هو الشخصية التوراتية الأقرب في اللفظ من الإسم "عيسى". ورد في سفر التكوين أن "عيسو" Esav شقيق النبي يعقوب قد عرف منذ يوم مولده على أنه كثيف شعر الجسد، أشقر اللون. ويختلف الكثيرون حول أصل التسمية، إذ يترجمون "عيسو" إلى "كثيف الشعر". والحال أن بعض المعاجم العربية تعرف "العيس" أو "العيسة" على أنه " بياض يُخالِطُه شيء من شُقْرة"، وهو ما يقصي فرضية "كثاقة الشعر". استقر"عيساو" شرق الأردن بــ "إدوم" (لفظة توحي بــ "الحمرة" وهي أحد ألقابه نسبة إلى لون شعره الأشقر) وصار يعرف في التراث العبري بأب الأدوميين أو أب الحضارة المسيحية وفيما بعد الرومانية. وبالتالي فالنبي عيسى بن مريم يحتمل أنه سمي كذلك نسبة إلى أخ النبي يعقوب أحد أجداده وتجسيد الحضارتين المسيحية والرومانية. أما النص القرآني فيعتمد التسجيع Homeoteleuton في التعامل مع بعض الأنبياء والشخصيات القرآنية كتقنية للتذكر .mnemonics نعرف أن النبي موسى مرتبط بـ "اليهودية" (ينتهي بالقافية "سى"). عيسى تجسيد للإرث المسيحي وينتهي كذلك بـ "سى". موسى/عيسى.وهذا النوع من التسجيع نجده على مستوى أسماء أخرى "طالوت/جالوت"، "يأجوج/مأجوج" ...

الجملة إفراط ... !

"قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى" ...

لم يأت الإفراط هنا بمعنى "التبذير" كما هو الشأن بالنسبة للأيات: "وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ"/"أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ"، بل يفيد "الإفراط/ التفريط" في المثال الأول إفراط فرعون في الكلام عن طريق التكذيب بالحجاج، وهو أصل اللفظ "فرط" في حد ذاته، حيث أنه ينحدر من المفردة الإغريقية prótasi والتي تعني "جملة". والجملة على المستوى النصي هي أكبر عنصر بمسند ومسند إليه، إذ اكتسبت لفظة "فرط" في العربية دلالة جديدة تفيد "التبذير"/"الإكثار". وصدر عن لفظة prótasi بعض الألفاظ في مجموعة من اللغات كالفرنسية phrase والإنجليزية phrase والإيطالية frase ، وذلك عن طريق تحول /p/ من صوت انفجاري spirant إلى آخر احتكاكي /f/، كما اقترضت العبرية الجذر p r t لإصدار كلمة פרט prat "پراط" وتعني "تفصيل".

"وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى": العصا والمعصية سيان ؟

موهوم من يظن أن أدوات نحوية كالياء أو الألف ــ مقصورة كانت أو ممدودة ــ عند توظيفها كحروف علة vowels في آخر بعض الكلمات، تبطل فرضية انتماء اللفظ لأصل واحد etymon ، أو أنها أصل مشترك co- etymon أو أنها وحدة صرفية صغرى من شأنها تغيير المعنى بشكل جذري. كلها معطيات لا يمكن الارتكاز عليها لتفنيد الطرح القائل بأن الجذور الثلاثية، وإن لم تتعدد، بل وإن انعدم نظيرها، فقد يكون تشابه معاني الكلمات المشتقة منها خاصية اعتباطية. وهذا غير صحيح. فاللسان العربي واللغات بصفة عامة عبارة عن matrix بجذور ثلاثية محدودة الكم أو بالأحرى يغذي كل جذر فيها جذرا آخر قد تشبه المفردات المشتقة منه، على المستوى الدلالي، جذرا ثلاثيا آخر مكونا من نفس الغرافيمات، كما هو الشأن بالنسبة للنظام الثنائي système binaire . وعلى هذا الأساس، فإن اعتبار الفعل "عصى/يعصى" (معصية/عصيانا) وقريبه اللفظي "عصا" (ما يُتًّخذُ من خشب وغيرِه للتوَكُّؤ أَو الضَرْب) من أصل واحد أو أن أحدهما الأصل etymon والآخر أصل مشارك co-etymon لن يعد خرقا للقاعدة.

الرجوع برحلة الفلاش باك سيأخذنا إلى تلك اللحظة التي أكل فيها أبونا آدم وزوجه من "الشجرة". "الشجرة" .. ذلك اللفظ الذي يفيد "الاشتعال" من أصله الآرامي sgar (أوقد) هو مربط الفرس. فاستنادا إلى بعض اللغات "السامية" كالعبرية بل وحتى العربية، نجد أن كلمة עץ "عيتص" تعني "شجرة" أو "خشب"، و"العيص" كما تعرفه بعض المعاجم العربية هو "منبت خيار الشجر" أو "الشجر الكثيف الملتف" (ومنه استعصى أي صعب). و"المعصية" أو قل "أول معصية" أو أصل المعاصي (الخطيئة الأصلية) original sin ابتدأت مع أبينا آدم الذي اقترفها بوسوسة من الشيطان ثم تاب وأناب بعدها. وبالتالي فأصل الفعل "عصى/يعصى" مشتق من كلمة "عصا". وكيف نختلف مع هذا الطرح والآية واضحة: "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" بعد أن أكلا منها (الشجرة) فبدت لهما سوءاتهما" (سورة طه). "عصى"؟ وماذا كان سيعصى أبونا آدم إذا كان النهي آنذاك لا زال لم يتجاوز الأكل من "شجرة" أو "عيص"/"عصا".؟

*باحث في اللسانيات والترجمة والفقه اللغوي المقارن وحضارة الشرق القديم

مؤلف كتاب: "التأصيل المعجمي للكلمات العربية والآرامية والعبرية: من التطور الدلالي إلى القرابة اللفظية" (2017)