متخصصون ينادون بتصحيح التصورات وقراءة تنويرية لفهم الدين

متخصصون ينادون بتصحيح التصورات وقراءة تنويرية لفهم الدين

ندّد رحيل غرايبة، المفكر الأردني وأمين عام حزب المؤتمر الوطني (زمزم)، استغلالَ الدين في عملية الهدم بدل البناء، مركزا على الحاجة إلى "تصحيح التصورات وفهم الدين حتى يبقى للأمة الإسلامية دور في البناء، ولا تكونَ عبئا على الإنسانية".

وتحدث غرايبة في ندوة "نحو قراءة تنويرية للدين"، التي عقدت بجامعة محمد الخامس بالعاصمة الرباط، عن محورية الإنسان في الخطاب الإسلامي؛ لأن "القرآن خطاب للناس وللبشرية لا لطائفة أو أمة لوحدها، مصداقا لآية: يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".

واسترسل المفكر الأردني موضحا أن التعارف "كلمة مشتقة من المعرفة، لا التسلط والتفاخر، بل المعرفة والعلم؛ فالإسلام يحارب التمييز والتفرقة انطلاقا من الدين والمذهب والإيديولوجيا، لأن الإنسان هو محور الخطاب".

وأكد المتدخل أنه لا وجود لدين دون عقل، "بل إن الدين يصبح فارغا دون عقل لأنه هو الذي يفهم النص ويتفاهم معه"، مضيفا أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع المخالف هي الحوار، معطيا مثالا بحوار الله مع الملائكة: "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمد ونُقدّس لك.."، ليستنتج أن معيقات مهمة الاستخلاف هي: "الجهل في فهم الدين المتمثل في عدم القدرة على مخاطبة العقل وإيصال الرسالة إلى الإنسان، والظلم".

وشدد غرايبة على أن "المعرفة عبارة عن بناء منذ فجر التاريخ يتعرض للإضافة والتطوير والامتداد، وحذف الخاطئ والغلط"، ثم استرسل موضحا أن خطأ أسلمة المعرفة يتجلى في كون "المعرفة مسلمة لذاتها لأنها حقيقة، ولا تحتاج أسلمة؛ فجهد العلم على امتداد الإنسانية ملك للبشرية جمعاء. والبناء المعرفي يعني أن الحقيقة لا يمكن أن تكون إلا جزءا متسقا من هذا البناء وتفهم في إطار نسقه المعرفي، وهو ما يسهل فهم الكثير من الجزئيات وحل الكثير من الإشكالات".

وركز المتحدث على مركزية حرية الإنسان، قائلا: "إن الله خلق الإنسان حرا منذ البدء، والحرية تسبق الدين وتسبق السلطة أيضا؛ فلا تستطيع أن تحاور الإنسان بالدين إذا لم يكن حرا، وإلا لن يكون الحوار مجديا، وحتى الأحكام المؤقتة نُسخت في نظري بآية "لا إكراه في الدين"".

كما جاء في مداخلة غرايبة الحديث عن "الكرامة الآدمية لأن الله خلق الإنسان مكرما حرا"، فلا يمكن مصادرة كرامة الإنسان والله منحه هذا التكريم، ولا يجوز الانتقاص من هذه الكرامة لا بالإشارة والهمز واللمز، فكيف بسفك دمه".

ومن بين المفاهيم التي تحدث عنها المفكر الأردني مفهوم الابتلاء، لأن "خلق الإنسان على الأرض هو محل اختبار يجب أن يكون الإنسان حرا وله إرادة ليكون عادلا".

وتحدث سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، في مداخلته، عن خصوصية السياق التاريخي الذي يعيشه العالم؛ فـ"ليس هنالك عصر طرحَ الدين موضعا للدراسة والسؤال والنظر، خصوصا الدين الإسلامي، كعصرنا"، مضيفا أن العصر الذي نعيش فيه "يشهد عودة غير مسبوقة للهويات الدينية، وتثير إشكالات أكثر من طرحها أجوبة".

وتحدث بودينار عن إشكالية التجديد المتمثلة في بدئه وتوسعه في إطار نظري محض"، وزاد قائلا إن "مأزق التجدُّد انحصار أغلبه في ما هو تأصيلي أو فلسفي ونظري، بدل أن يتحول إلى ممارسة علمية ومنهجية في المعرفة، وعلاقات للذهن مع الواقع، والممارسة العلمية التي تصبح بعد ذلك ممارسة مجتمعية"، فضلا عن المشكل المنهجي في مسار المعرفة الإسلامية التي "تُحوّل الاجتهاد إلى مبحث في علم من العلوم، كمبحث التقليد".

ودعا الباحث إلى ربط التنوير ببُعدي مضمون الرسالة الدينية والمجتمعات التي تخاطبها هاته الرسالة، موضحا في المداخلة نفسها الحاجةَ إلى متخصصين أكفاء من أجل الحديث عن القراءة التنويرية للدين؛ لأن "هناك فشلا واضحا في ما آلت إليه في المحصلة مدارس فهم التراث"، ولا يمكننا تجاوز التراث دون فهمه واستيعابه".

وأكد المتحدث أهمية التكامل المعرفي داخل المعرفة الدينية نفسها، لأن القراءة التبعيضية للقرآن تسببت في ظهور تقابليات خطرة بين مجموعة من المفاهيم؛ من بينها: الحكمة والشريعة، والعقل والنقل، داعيا إلى قراءة تكاملية بين آيات النص، وآيات الآفاق، وآيات الأنفس.

من جهته، قال عامر الحافي، المستشار بالمعهد الملكي للدراسات الدينية، إن الحديث عن تفسير تنويري "ليس إرضاء لأحد، بل هو ضرورة داخلية؛ لأن القرآن يملك مقومات التنوير، والإشادة بالعقل، والتفكير السببي، أكثر مما أعرفه من كتب مقدسة".

وأضاف الحافي أن للتشريع غايات تحقيق القسط والعدل أي عدم الظلم، "وأي تفسير فيه ظلم، وأي تفسير فيه إخلال بحرية الاعتقاد لنا حق إعادة النظر فيه"، معطيا مثالا بسورة الفاتحة التي يفسر فيها "المغضوب عليهم ولا الضالين" باليهود والنصارى بالرغم من أنه "يمكن أن يكون المسلم مغضوبا عليه أو ضالا".

وأشار المحاضر إلى مفهوم "الإدراج المفاهيمي"، حيث يمكن أن يكون "حديث مدرج عبارة عن اجتهاد بشري من أحد الرواة"، ثم زاد متسائلا: "إلى أي حد يمكننا أن نضع أيدينا على الاختراقات الدينية للغة والمعتقدات الشعبية؟"؛ فعندما يتحدث القرآن عن "كأنما يتخبطه الشيطان من المس"، يعطي مثالا "حول اضطراب سلوك الإنسان، ولم يكن هذا إقرارا بهذه المفاهيم التي كانت موجودة قبل الإسلام".

من جهته، وضّح محمد عبد الوهاب الرفيقي، الباحث في العلوم الإسلامية، الحاجةَ إلى العمل بكل القراءات التي تتناول النص الديني؛ "لأن هناك نصوصا للأخلاق تحتاج إلى أن تكون في قراءتها حرفيا وظاهريا، بينما تحتاج في بعض النصوص إلى أن تكون مقاصديا، وتحتاج في أخرى إلى أن تكون تاريخانيا حتى تخرجَ من مأزق آيات الجهاد والقتال والسبي وملك اليمين".

وركز رفيقي في مداخلته على ضرورة رفع القداسة عن كل الأفهام، والحاجة إلى فتح هامش الحرية أكثر ما يمكن، ومحاولة تبسيط الدراسات الرصينة وطرحها إعلاميا، كوسيلة لنشر خطاب تنويري مضاد لخطاب التطرف يكون له قبول أكبر.

ووضّح المتحدث أن "الكثير من الأفكار التي نتحدث عنها اليوم أفكار مكررة، ولكنها نزلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ونزلت إلى النقاش العام؛ فلا يمكن، بالتالي، أن نقول للناس إن ليس لهم الحق في الكلام حولها".

وذكر رفيقي في مداخلته أنه تم تجاوز الحديث عن التراث اليوم؛ لأن الدعوة إلى تنقيح التراث كانت إلى وقت قريب أمرا محرما، بينما الآن "يقتنع الناس بأن في التراث ما يستحق الافتخار به، لكنه جهد بشري قابل للتخطئة والنقد"، مستدركا أن الأهم هو أن "النقاش أصبح واقعا ومقبولا".

وقال الفاعل السلفي سابقا إن "المدرسة المقاصدية مدخل مهم جدا في باب التنوير؛ لكن مع ذلك هناك إشكالات تعترض هذه المدرسة، لأنها تشتغل بأدوات من داخل المدرسة نفسها، ولذلك بقيت الآلة نفسها تعيد الإنتاج نفسه من داخل المنظومة، بالرغم من أن هذه النصوص مؤطرة للبشرية".

وبعد التشديد على الحاجة إلى العلوم الإنسانية، تحدث رفيقي عن "انتقائية المقاصديين المعاصرين" وعدم انضباطهم؛ لكونهم "لا يوظفون هذا الكلام الجميل إلا عند الحاجة إليه، فلا يتم الحديث عن المقاصد عند بعض حركات الإسلام السياسي في قضايا الأسرة والمجتمع، بل يقال إنه يجب تنزيل الآيات حرفيا، فيصبح المقاصدي هنا حرفيا جامدا".

*صحافي متدرب