"مَلحمة العدميين" .. نقاش سياسي جرّيء يرفع سقف حريّة التعبير

"مَلحمة العدميين" .. نقاش سياسي جرّيء يرفع سقف حريّة التعبير

بجُرأة غير مسبوقة، وبوجوه مكشوفة أمام عدسات الكاميرا، يناقشون مواضيعَ سياسية واجتماعية ساخنة.. يُعبّرون عن آرائهم في الخطابات الملكية، وفي السياسة التي يُدير بها الملك البلاد، وفي أمور أخرى تستأثر باهتمام الرأي العام..إنهم مجموعة من الشباب المغاربة، يجتمعون على طاولة نقاش تحت عنوان "1 diner 2 cons".

مناقشة الخطاب الملكي بحرية

في الحلقات الثلاث الأخيرة، التي اختاروا لها عنوان "مَلحمة العدميين"، رفَع الشبان الثمانية، الذين شاركوا في نقاش " diner 2 cons1"، سقف حرية التعبير عاليا، حيث ناقشوا مضامين خطاب العرش الأخير الذي ألقاه الملك محمد السادس من مدينة الحسيمة، وانتقدوا الجالسَ على عرش المملكة بكل حرية، كما انتقدوا السياسات التي ينهجها في تدبير شؤون البلاد.

"المغاربة كانوا ينتظرون أن يُثمر إلقاء الملك لخطاب العرش من الحسيمة إيجاد حلول جذرية لمشكل الريف، ولكن ما ينتظره الشعب من خُطب الملك لا يحدث على أرض الواقع"، يقول الفنان "باري". وفي المنحى نفسه سار الناشط عادل السعداني بقوله: "كانت كل الإشارات تدل على احتمال العفو عن معتقلي الريف، المحكومين بعقوبات ثقيلة، والتي كان الهدف منها إيصال رسالة مفادها "أنا ربكم الأعلى"".

وبالجرأة نفسها تحدّث أحمد رضا بنشمسي، الناطق باسم منظمة هيومن رايتس ووتش بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عن خطاب الملك بمناسبة عيد العرش، مستهلا حديثه بالقول إنّه لم يتابع الخطاب، وزاد: "وانا مْلي تنقول هاد الهضرة كنعبر على رأي الأغلبية ديال المغاربة اللي ما كيتفرجوش فالخطابات ديال الملك.. أنتظر إلى اليوم الموالي، ويلا بانت لي شي حاجة مهمة تقالت كنرجع للخطاب الأصلي".

وانتقد مؤسس مجلتي "تيل كيل" و"نيشان" عدم تطرق الملك إلى أحداث الريف رغم أنه حرص على إلقاء خطاب عيد العرش من قلب مدينة الحسيمة، قائلا: "القيامة نايضة، والعالم كامل كيهضر على الروينة اللي نايضة فالريف، والملك ما هضرش على هادشي. أنا منعتبرش هادشي استفزاز، بل نوع من الاحتقار...

وحظيت السياسات المتّبعة في المملكة بنصيب من انتقادات شباب "ملحمة العدميين"، إذ لخّص رشيد أوراز، الباحث الاقتصادي، رأيه حول الوضع القائم على المستوى الاجتماعي بالقول: "المُورالْ الشعبي طايح إلى درجة لا تتصور، هناك تحسُّن في الدخل، ولكن المواطنين لا يشعرون بالرضا عما يحصلون عليه. وما يكرّس هذا الإحباط هو أنّه لا توجد أي جهة في الدولة تتحدث إلى المغاربة".

بلغازي: هدفُنا رفع سقف حرية التعبير عاليا

قصّة سلسلة نقاشات " diner 2 cons1" انبثقت من فكرة أمين بلغازي، صحافي، ويوسف المودني، مدير فني؛ إذ كان لكل واحد منهما تصوُّر حول برنامج لمناقشة مختلف القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام، قبل أن يتفقا على الصيغة الحالية، إذ تتمّ استضافة مجموعة من النشطاء، لتناول مختلف المواضيع والقضايا، بعيدا عن مقص الرقيب.

"واجهنا صعوبات في إنجاز الحلقة الأولى من سلسلة "1 diner 2 cons"، خصوصا أننا نموّل هذا النشاط من جيوبنا، ولكننا واصلنا، لأننا آمنا بالفكرة، ولدينا إرادة قوية لجعلها تستمر"، يقول أمين بلغازي في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية.

ويضيف بلغازي أنّ "الهدف الرئيسي من السلسلة التي تُبث حلقاتها عبر منصة "يوتيوب" هو فتْح النقاش حول مختَلف القضايا التي تهم الرأي العام، وإتاحة الفرصة للمواطنين من مختلف المشارب والاتجاهات ليعبّروا عن آرائهم بحرية"، وتابع: "نحن أبناء الشعب، ومن حق أيّ مواطن مغربي أن يتمتّع بالحق في التعبير عن رأيه".

المثير في قصة " diner 2 cons1" هو أنّ سلسلة النقاشات هاته، وإنْ كانَ يُرفع فيها سقف حرية التعبير إلى أبعد مدى، فإنَّ أصحابها لم يتعرّضوا إلى حدّ الآن إلى أي مضايقات من طرف السلطات.. "إلى حدّ الآن لم نتعرض لأي مضايقات مباشرة، كل ما في الأمر أننا نسمع أنّ الشرطة تطلب من أصحاب الأماكن التي نصور فيها ألا يسمحوا لنا بالتصوير مرة أخرى"، يقول أمين بلغازي.

ورغم عدم التضييق عليهم إلا أنَّ أمين بلغازي ورفاقه يستشعرون وجودَ مخاطر قائلا: "نحن في المغرب، ونعرف أنّ هناك مخاطرَ..القْليلة يْمكن يلصقوا لينا تهمة السكر العلني، لأنّنا نضع على طاولة النقاش قناني الكحول"، قبل أن يستدرك: "ولكنَّ هذه المخاوف يبدّدها إيماننا بالعمل الذي نقوم به، والذي سنستمر فيه لتغيير كثير من الأمور في البلاد".

أوراز: التعددية الفكرية تساهم في الاستقرار

رشيد أوراز، الباحث الاقتصادي، الذي كان ضيفا على الحلقات الأخيرة من سلسلة " diner 2 cons1"، قال في تصريح لهسبريس إنّه حضر إلى البرنامج لمناقشة الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب، خصوصا في منطقتي الريف وجرادة، من منطلق اقتصادي، كما أُخبر بذلك من طرف المشرفين عن البرنامج، لكن المؤسسة الملكية استأثرت بجزء كبير من النقاش نظرا لمركزيتها في النظام السياسي المغربي.

واعتبر أوراز أنَّ مشاركته في النقاش بمعية شباب "ملحمة العدميين"، رغم علمه المسبق باختلاف التوجهات الفكرية للحاضرين، "كان من منطلق أن التعددية الفكرية تغني النقاش العام وتساهم في استقرار المجتمعات، وتقدم بدائل فكرية معتدلة".

واعتبر الباحث الاقتصادي أنّ المغرب اليوم يعرف فقرا كبيرا في مساهمة النخب المثقفة في مناقشة الشأن العام، معتبرا أنّ هذا الأمر يُعدّ "ظاهرة خطيرة تفتح الباب أمام الشعبوية والتصورات التي تعتقد أن المؤسسات، سواء التقليدية أو الحديثة، ليس لها أي دور في الاستقرار الاجتماعي، وهذا خطير جدا"، داعيا المثقف المغربي إلى "أن يتحمل مسؤولياته وأن يتحلى بالجرأة ويساهم في النقاش العام، لأن المغرب يحتاج إلى نخبه ومثقفيه اليوم أكثر من أي وقت مضى".

ولا تصبّ آراء المشاركين في سلسلة نقاشات "1 diner 2 cons" في اتجاه واحد، نظرا لاختلاف توجّهاتهم الفكرية، كما بيّنت الحلقات الثلاث الأخيرة، المخصصة لمناقشة الوضع السياسي في البلاد، إذ سادَ اختلاف كبير بينهم في عدد من القضايا، مثل تقدم المغرب على مستوى الانتقال الديمقراطي وخروجه البطيء من السلطوية، وأهمية تحقيق مستوى معين من التنمية الاقتصادية قبل الانتقال إلى الديمقراطية...

ويرى رشيد أوراز أنّ النقاش السياسي والاقتصادي يجب أن يركز على القواعد المؤسساتية وعلى دورها في الازدهار الاقتصادي والسِّلم الاجتماعي أكثر من تركيز النقاش حول الأشخاص، وزاد موضحا: "شخصنة النقاش حسب تجربتي الشخصية عادة ما تؤدي إلى تضييع مجهود الإصلاح".