الاستنكاف الضميري .. هل من حق المغربي رفض الخدمة العسكرية؟

الاستنكاف الضميري .. هل من حق المغربي رفض الخدمة العسكرية؟

على هامش النقاش المتواصل حول عودة الخدمة العسكرية الإجبارية بالمغرب، تعالت بعض الأصوات الشبابية، التي عبرت عن رفضها لهذا الأمر، معتبرةً أن قراراً كهذا يتطلب فتح نقاش حوله بين جميع مكونات وأطياف المجتمع كما حدث في فرنسا منذ مدة.

وعلى الرغم من أن التجنيد الإجباري ممارسة عالمية وقديمة عرفت أوجها خلال الحرب العالمية الثانية، فإن التفصيل فيما إذا كان ينتهك حقاً من حقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً ظل ضئيلاً إن لم نقل منعدماً.

وإذا كان منطق الإجبار في أي مجال منبوذا ويعارض مبادئ حقوق الإنسان الدولية، فإن التجنيد الإجباري لم ينل حظه من النقاش الحقوقي، سواء بالمغرب أو في العالم، فبعض رؤساء الجمعيات الحقوقية بالمغرب لم يكن لهم رأي في هذا الموضوع حينما استفسرناهم.

وباستثناء وثيقة صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تتحدث عن الرافضين للخدمة العسكرية الإجبارية في العالم، فإن أغلب المنظمات الحقوقية الدولية المعروفة لم تتطرق إلى هذا الموضوع الشائك.

ورغم قدم هذه الممارسة، فهناك وثيقة وحيدة صدرت عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتعود إلى سنة 2012، وهي بعنوان "الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية".

ويقصد بالاستنكاف الضميري conscientious objection، الذي ظهر منتصف القرن التاسع عشر، عدم رغبة المرء في أداء الخدمة العسكرية لإرضاء ضميره، سواء لمعارضته حمل السلاح أو رفضه منطق الإجبار.

وحسب الأمم المتحدة، فإن أول مستنكف ضميري في التاريخ كان في سنة 290 ميلادية، ويدعى ماكسيميليانوس، وهو ابن أحد قدامى الجنود الرومانيين، حيث رفض، وهو في سن الحادية والعشرين، الالتحاق بفيالق الجند الروماني فتم إعدامه.

الجلي أن صكوك الأمم المتحدة الدولية لا تشير بشكل مباشر إلى حق الاستنكاف الضميري، لكن ترى الوثيقة أنه يستند إلى الحق في حرية الفكر والوجدان والدين المبين في الإعلام العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

بالمقابل، يعد ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي الصك الإقليمي الوحيد لحقوق الإنسان، الذي يشير بوضوح إلى الحق في الاستنكاف الضميري عن الخدمة الإجبارية، حيث يعرفه بأنه "إقرار الحق في عدم الاشتراك في الحروب وفقاً للقوانين المحلية التي تحكم ممارسة هذا الحق".

وفي سنة 1993 فسّرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التي تستعرض تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الحق في حرية الفكر والوجدان والدين بالقول إن الإلزام باستخدام القوة بهدف القتل يمكن أن يتعارض بشكل خطير مع حرية الوجدان والحق في المجاهرة بالدين أو العقيدة.

وقد كان لهذا الموضوع نصيب من الجدل داخل اللجنة سنوات طويلة، بعدما عرضت عليها حالات عدة من دول مختلفة في إطار ملاحظاتها على تقارير الدول الأطراف في العهد الدولي.

وذهبت لجنة حقوق الإنسان، في قرار آخر، إلى مطالبة الدول التي لديها نظام للخدمة العسكرية الإجبارية بأن تحدث من أجل المستنكفين ضميرياً أشكالاً مختلفة من الخدمة البديلة تتفق مع أسباب اعتراضهم، حيث تكون ذات طابع غير قتالي أو ذات طابع مدني لتحقيق الصالح العام، وليست ذات طبيعة عقابية.

وفيما يخص العقوبات المطبقة على المعترضين على التجنيد الإجباري، أوصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في قرارها 1998/77، على وجوب أن تتخذ الدول التدابير اللازمة للامتناع عن سجن أو إعدام المستنكفين ضميرياً.

جدير بالذكر أن القانون رقم 44.18 المتعلق بالخدمة العسكرية بالمغرب، الذي ينتظر مصادقة البرلمان عليه قبل دخوله حيز التنفيذ، ينص على أن الأشخاص الخاضعين للخدمة العسكرية، الذين تستدعيهم السلطة المختصة بهدف تسجيلهم أو اختيارهم بشكل قبلي، ويمتنعون عن المثول أمام تلك السلطة، دون سبب وجيه، يعاقبون بالسجن من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2000 إلى 5000 درهم.

ويتحدث القانون عن منح إعفاءات مؤقتة أو نهائية، تحدد شروطها بنص تنظيمي، لأسباب معينة، خاصة العجز البدني أو الصحي، الذي يكون مثبتاً بتقرير طبي صادر عن مصالح التكوين الاستشفائية العمومية المختصة أو التحمل العائلي أو متابعة الدراسة.

كما يستثنى المواطنون المتزوجون أو المتحملون لأبناء أو متكلفون بهم. أما المعفيون بشكل مؤقت خلال شغلهم لمهامهم، فهم أعضاء الحكومة والبرلمان، وبعض موظفي الدولة والجماعات الترابية، وموظفو بعض المؤسسات والمقاولات العمومية، التي تستوجب المصلحة العامة استمرارهم في مهامهم.