هذه خلفيات توالي الإقالات في صفوف جنرالات الجيش بالجزائر

هذه خلفيات توالي الإقالات في صفوف جنرالات الجيش بالجزائر

صيف ساخن عاشته الجزائر هذه السنة، حيث توالت موجة الإقالات بشكل يثير العديد من علامات الاستفهام والتساؤلات، لا سيما أن "الإسهال الحاد" في هذه الإقالات شمل مراكز حساسة في الدولة، فمنذ ما يعرف بـ"فضيحة الكوكايين"، التي أدت إلى الإطاحة بمسؤولين كبار في الدرك والأمن، مثل الجنرال عبد الغني الهامل، المدير العام السابق للأمن لوطني، فإن مسلسل الإقالات لا يزال مستمرا، حيث تمت إقالة قائدي الناحيتين العسكريتين، الأولى والثانية، منتصف هذا الشهر.

كما أن هذا الأسبوع لم يخلُ من ضحايا هذا المسلسل، حيث شملت الإقالات مدير أمن الجيش محمد تيرش، المعروف بـ "لخضر"، وهو الرجل الرابع في هرمية مؤسسة الجيش، والمراقب العام للجيش اللواء بومدين بن عتو. وقد أعلن عن إقالتهما يوم الأربعاء 22 غشت، وبررت وزارة الدفاع الجزائرية هذه الإقالات بإعادة هيكلة وتحديث وتشبيب المؤسسة العسكرية. فما هي خلفيات ودوافع هذه الإقالات في ظل عجز ومرض الرئيس بوتفليقة، وصعوبة توافق الطبقة السياسية والعسكرية حول خليفة جديد يمكن الدفع به في الانتخابات الرئاسية 2019؟ وما هي الرهانات المرتبطــة بهذه الإقالات؟

إن عدم توافق وعجز القوى السياسية عن إيجاد مخرج سياسي ودستوري للأزمة غير المعلنة في الجزائر، بغية تجاوز وضعية الفراغ على مستوى السلطة، يرتبط أساسا بعدة عوامل داخلية صرفة، يلعب فيها الجيش قطب الرحى، لا سيما بعدما تداولت عدد من دوائر صنع القرار الدولية أسماء عدة مرشحة لخلافة بوتفليقة، أبرزها قائد أركان الجيش قايد الصالح، خاصة أن تاريخ الجزائر المعاصر لا يخلو من تدخل سافر للمؤسسة العسكرية والأمنية في اختيار الرؤساء، بالرغم من اعتماد انتخابات شكلية تلعب فيها الأحزاب دور الكومبارس في مسرحية محسومة مسبقا، مثلما حدث سنة 1979 عند اختيار الشاذلي بن جديد، ثم في 1992 مع محمد بوضياف، و1993 مع اليمين زروال، وأخيرًا في 1999 مع عبد العزيز بوتفليقة.

وفي إطار محاولة قراءة وفهم مسلسل الإقالات الذي من المتوقع أن يستمر خلال الأيام القادمة، يمكن الإشارة إلى فرضيتين أساسيتين:

الأولى، أن موجة الإقالات ما هي إلا محاولة استباقية لترتيب البيت الداخلي، والاستعداد للانتخابات الرئاسية لسنة 2019، حيث تسعى المؤسسة العسكرية في ظل "فراغ كرسي الرئاسة" إلى تقوية وتحصين نفسها من الارتدادات، التي من المحتمل أن تقع في حالة فشل المرحلة الانتقالية - ما بعد بوتفليقة- من خلال احتواء قيادات جديدة وإبعاد مختلف القيادات المرتبطة بعهدة الرئيس الحالي. بمعنى أن هذه الإقالات هي خطوة استباقية لشرعنة وتقوية الدور المحتمل للجيش في انتقال السلطة، لا سيما أن استقدام وتحمل المسؤولية من طرف وجوه جديدة يمكن أن يؤجل أو يحول دون وقوع اصطدام مباشر بين المؤسسة العسكرية والطبقة السياسية في المستقبل من جهة، أو مع الشعب من جهة أخرى. لذلك، فالخطوات المعتمدة منذ عجز ومرض الرئيس بوتفليقة غايتها التخلص من "جيل العسكريين" المرتبطين بعشرية الدم أو الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي.

الثانية، هذه الإقالات ترتبط بسياقات وظروف معينة، وبالتحديد بما بات يعرف بـ"فضيحة الكوكايين". وقد أبانت هذه القضية عن مجموعة من الحقائق، سواء ما يخص حجم الفساد المستشري في مؤسسة الجيش، أو الصراع الخفي بين عدة أجنحة في مربع السلطة. وتحاول النخبة الحاكمة في الجزائر حاليا، والممثلة في سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، ووزير الدفاع قايد صالح، أن تتخلص من الأصوات المزعجة والمنافسة داخل الجيش، حيث تسعى هذه النخبة إلى إبعاد قيادات الصف الأول، موظفة في ذلك ورقة تطهير وتشبيب المؤسسة، حتى تتسنى لها إدارة مرحلة ما بعد بوتفليقة بكل حرية وتفادي أي تمرد أو عصيان محتمل داخل المؤسسة.

وأخيرا، وكيفما كانت صحة التكهنات والسيناريوهات، فالأكيد أن الصراع الدائر حاليا بين مراكز القوى في الجزائر، وتوالي موجة الإقالات في صفوف الجيش، ينذر بأن مستقبل هذا الجار يرتبط أساسا بمدى قدرة المؤسسة العسكرية على تدبير مرحلة ما بعد بوتفليقة، باعتبار أن هذا الجهاز هو الذي يدير فعليا البلاد منذ الاستقلال إلى اليوم، وهذا الرهان المرتبط بالمحافظة على استقرار وتماسك الجزائر، وإيجاد بديل حقيقي لبوتفليقة من خارج مؤسسة العسكر، يبقى الأصعب ربما في تاريخ الدولة الحديثة في الجزائر.

*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض