تنزيل الدستور يتجاوز النخب السياسية ويفرز مطالب إصلاح جديدة

تنزيل الدستور يتجاوز النخب السياسية ويفرز مطالب إصلاح جديدة

في خضم أزمة "حراك الريف" التي تُكمل عامها الثاني دون ظهور معالم لتضميد هذا الجرح الغائر، تحل في هذا الشهر الذكرى السابعة للتصويت على دستور جديد للبلاد جاء عقب حراك سياسي عارم قاده الشباب المغربي في إطار "حركة 20 فبراير".

وبالرغم من أن الشارع المغربي يشهد غلياناً واحتجاجات متواصلة بعد انتشار "ثقافة الاحتجاج" منذ مسيرات "الربيع العربي"، فإن الحكومتين السابقة والحالية فشلتا في اختبار التنزيل الديمقراطي لعدد من الإصلاحات الدستورية والقوانين التنظيمية التي جاء بها الدستور؛ الأمر الذي دفع عددا من المحللين والمتتبعين للشأن السياسي إلى التأكيد على أن دستور 2011 تجاوز بكثير النخبة السياسية المغربية التقليدية التي يصل أرقى طموحها إلى دستور 1996.

نخب متجاوزة

وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات فعاليات وهيئات يسارية معارضة مناديةً بدستور جديد للبلاد يتماشى وطبيعة المرحلة المتعطشة إلى التغيير الحقيقي وليس الشكلي، يرى محمد الزهراوي، محلل سياسي، أن الفترة الماضية بينت أن وثيقة 2011 كانت أكبر من طموحات الفاعل السياسي المغربي التقليدي؛ أي إن تغيير الدستور في ظل الاحتفاظ بالنخب الحزبية نفسها لن يضع بتاتاً المغرب في خانة الدول الديمقراطية.

ولاحظ أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش أن التجربة الحكومية السابقة والحالية، منذ إقرار دستور جديد للبلاد، "لم تعمل على تفعيل الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها لأنها لم تستطع التخلص من رواسب تاريخية معينة تعود إلى ثقافة التعليمات التي كانت سائدة".

"نحن أمام نخب لا تُساير الجيل الحالي، كما أن الحراك بالريف وجرادة الذي قاده الشباب المغربي وضع هذه الفئة الحزبية في خانة معزولة، لأن شبابنا اليوم يُفكر بطرق مغايرة ويعتمد على وسائط جديدة، في وقت مازالت فيه نخبنا السياسية تعيش على الماضي وكأن المغرب لم يتغير بعدُ"، يقول الزهراوي.

في الاتجاه نفسه سار عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، الذي أكد أن سقف الإصلاحات الدستورية كان متقدما في دستور 2011، بالنظر إلى ما جاء به من صلاحيات واسعة لمؤسسة رئيس الحكومة.

ويتفق أدمينو، في تصريح لهسبريس، مع زميله في القراءة التحليلية للمرحلة الدستورية، مورداً أن النخب المشرفة على تدبير الشأن العام لم تكن في مستوى التطلعات؛ "الأمر الذي ساهم في فقدان المواطن للثقة في المؤسسات الرسمية والعملية الحزبية برمتها، مقابل بحثه عن بدائل احتجاجية جديدة بات فيها المجتمع مفتوحا على آفاق غير معروفة يمكن أن تهدد حتى استقرار البلاد".

إصلاحات سياسية

لا يتفق الخبير في القانون الدستوري مع الآراء التي تُحمّل رئيس الحكومة وحده مسؤولية الفشل في تنزيل الدستور، معتبراً أن المنظومة السياسية الوطنية تتطلب إصلاحات جديدة على مستوى النظام الانتخابي باللائحة، لأنه "نمط لا يمكن له أن يحقق روح الوثيقة الدستورية".

وتابع أدمينو أن "الدستور يُعطي اختصاصات واسعة لرئيس الحكومة الذي لا يملك سلطة على مستوى التحالفات الحكومية، وهو الأمر الذي يجعله مكبلاً بين توافقات أحزاب الأغلبية عوض أن تكون الأولوية رهينة بالبرامج الحكومية"، معتبرا أن "تكبيل الحزب الفائز بأغلبية نسبية يفشل أيضا دور البرلمان الذي يشرع بدوره انطلاقا من منطق الأغلبية وليس الوظيفة البرلمانية".

وخلص الباحث في القانون الدستوري إلى أن الإصلاحات السياسية في المغرب يجب أن تنصب على تغيير القوانين المتعلقة بتشكيل الحكومة، معتبرا أن "تسيير الحكومة بحزب أو حزبين يسهل على الشارع محاسبة وتتبع عمل الحكومة، عوض ما نشاهد اليوم من أن كل حزب على حدة يدبر قطاعات حكومية تابعة له بمنطق منفرد ويعتبر نفسه مسؤولاً عنه".

وبات حزب العدالة والتنمية، القائد للإتلاف الحكومي، يُطالب بدوره بتغيير هذا النمط الانتخابي بعد الهزات السياسية التي تعرض لها، خصوصا خلال فترة تشكيل عبد الإله بنكيران لحكومته الثانية وما عرف حينها بـ"البلوكاج الحكومي".

هذا المطلب عبّر عنه صراحة المصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان القيادي بالحزب ذاته، خلال الحوار الداخلي لـ"البيجيدي" المنعقد مؤخراً، قائلا إن "الحقل الحزبي الوطني بشكله الحالي يقلص من هامش النضال الديمقراطي ويُعرقل الانتقال الديمقراطي نفسه؛ ذلك أن النظام الانتخابي اللائحي النسبي المعتمد، وكما هو معلوم، لا يمنح الحزب الأول إلا أغلبية نسبية، وهو ما يعني الحاجة دائما إلى أحزاب شريكة لتشكيل الحكومة".