حميش ينسف حجج "غلاة الأمازيغية" .. يأكلون الغلة ويلعنون الملة

حميش ينسف حجج "غلاة الأمازيغية" .. يأكلون الغلة ويلعنون الملة

غلاة الأمازيغية

بادئ ذي بدء، إنها لمفارقة غريبة بل عجب عجاب أن نرى ونسمع الناشط الأنشط السي أحمد بن محمد عصيد يجول ويصول في الصحافتين الورقية والإلكترونية، وذلك باللغة العربية الفصيحة في مواضيع شتى: "الإسلام والحداثة"، "صحيح البخاري ليس صحيحا"، "نقد الدولة الموحدية" وهلم جرا، معرضا بالتالي عن تفعيل رسمية الأمازيغية الذي لا يفتر عن الدعوة إليه صبحَ مساء.

هذا في حين أن المنطق يقضي بأن يكون في ذلك وفي الكتابة بحرف تيفناغ المثال والقدوة، وإلا فمن الجائز عقلا أن نسأل: إلى متى وهو يستعمل اللغة العربية في مجمل خرجاته التأليفية والإعلامية معتمدا مقدراتيها البيانية والبلاغية، مع أنه يداوم على التقريع في اللسان العربي وتهجين حملته وثقافته؟

أو بعبارات أخرى: إلى متى وهو يجلد مرضعته ويأكل الغلة ويلعن الملة؟ سؤال يطرحه مثقفون ولغويون خفتا ولا يجهرون به تجنبا، كما يقولون، لإثارة جسارة الغلاة المتطرفين (أي "دسارتهم"). وعليه، فليسارع صاحبنا إلى البدء بتحرير مقالات بحرف تيفناغ، فنكون له، إن هو توفق، مصفقين ملء أكفنا صحبة الأمازيغ العقلاء النزهاء (والمعتصمين بالصمت وا أسفاه)؛ أما إذا عجز عن رفع هذا التحدي، فالجريرة عليه واللائمة.

إن المسألة الأمازيغية تحتاج إلى مفكرين أكثر من حاجتها إلى نشطاء، وذلك بما يلزم من حكمة واعتدال وقدرة على إنقاذها من المتطرفين الغلاة المسيئين إليها، هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم منافحين عن بيضتها من حيث تحولهم إلى أعداء معلنين للعرب وثقافتهم وحتى أبجديتهم وللقضية الفلسطينية، ومن حيث اتخاذهم إسرائيل محجا وقبلة، وذهابهم إلى حد التشهير بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كهيئة في خدمة المخزن، حسب تعبيرهم الأثير. وفي ما يلي عناصر تفيد البيان والتحليل.

إن أولئك الغلاة تقشعر ذواتهم تقززا ونفورا كلما طالعتهم تسميات تحمل كلمة عرب أو عربي، مثل "المغرب العربي" و"اتحاد المغرب العربي" و"وكالة المغرب العربي" و"الجامعة العربية"، ويعتبرونها استفزازا لقوميتهم ومشاعرهم الأمازيغية، لا يأبهون لكون تلك التسميات إنما هي عناوين اتفاقية لا تنفي مطلقا "الأقليات"، ولا تحمل في طياتها أي نعرة عرقية أو سلالية.

أما معاهد التعريب وتنسيقه، فيتصورونها كما لو أنها بؤر أجنبية تحاربهم وتغتال هويتهم (بيد أن التعريب لا يعني سوى الترجمة وتكييف المصطلح اللغوي)؛ كما أنهم يضيقون ذرعا بأمور مهينة في ظنهم للأمازيغ، ولا حاجة إلى إيرادها كاملة، اللهم إلا من شكاواهم من استعمال الحرف العربي في صفائح السيارات ومن التندر (أو "التنكات") بالشلحي والريفي، مع العلم أن التندر بالعروبي والمراكشي والفاسي والصحراوي لا يقل عنه حجما ولذاعة.

إن التندر، كما نعلم، ظاهرة سارية منذ القدم بين البلدان المتجاورة أو المتباعدة وحتى بين الأصناف المجتمعية داخل المجتمع الواحد. وما قاله بالمثال العرب عن الأعراب أو أهل الحضر عن أهل الوبر من باب الهزء والسخرية تحفل به دواوين ومصنفات، ويشير إلى أحد الأملاح التي تقي الثقافة من حالات الفتور والملالة.

إن الأمازيغ في تاريخ بلدان المغرب كانوا باسم الإسلام بناة دول ومسهمين أيما إسهام في ثقافة المغارب وعلومها؛ كما أنهم في زماننا هذا يُعدون من بين الأوفر حضورا وحظوة في كل دوائر السياسة والاقتصاد ومراكز النفوذ والقرار. أما أوضاع الهشاشة وضعف المعيشة، فإنها تشمل شرائح من المغاربة عديدة ومن شتى الأصول والأصناف.

في شأن "اللغة الأم": إن من الأصوب إحلاله في بُعده الأصح، بُعد الكلمات المحاكية للأصوات onomatopées، والتلفظات والهمهمات البدئية، كما أقر به الباحث المتخصص أحمد معتصم وسواه. وعليه، فإن تلك اللغة لا تهيئ الطفل حقا للكلام الصوري والمفاهيمي الذي لا يحصل اكتسابه إلا في سن التمدرس؛ هذا فضلا عن أن مفهوم "اللغة الأم" يمحو مفهوم لغة الأب والرعاية المفردة monoparentale (في حالة وفاة أحد الوالدين أو غيابه).

وكذلك مفهوم لغة الأزواج المختلطين (الأم الأجنبية) وأيضا لغة الأمهات المغربيات اللائي يكلمن ذريتهن بالفرنسية حصريا، أضف إلى ذلك كله الواقعَ التعددي للغات "الأمومية" على صعد متفاوتة: ترابية وجهوية وإقليمية ومحلية، هذا بغضِّ النظر عن قانون "الزواج المثلجنسي" في بلدان غربية؛ وبالتالي وحده معيار الوطنية الطبيعية أو المتبناة يمكنه تليين تلك التركيبات المعقدة وتنظيمها. وهكذا، يتحصل لنا الجواب الأحق والأصوب على هذا السؤال: الأطفال وليدو القرانات المختلطة من هم؟

كيف لنا أن نقفز على ظاهرةٍ كلية تتمثل في تاريخ الهجرات والمصاهرات والانصهارات الكثيفِ المديد، وما تمخض عنه من تقلبات جينيالوجية ولسانية مست عالميا مناطق ومجموعات بشرية كاملة؛ ومغربيا، ها هو خبير سوس وما جاورها، محمد المختار السوسي، يسجل: «وفي صحراء سوس تتموج القبائل العربية من بني هلال وغيرهم، لا يزالون يحافظون على أنسابهم وعلى لغتهم إلى الآن.

وأما في بحبوحة سوس فلا يُتكلم فيها بالعربية إلاّ في أولاد جرار بضواحي تيزنيت وإلا في قبائل تحيط بتارودانت، وأما غالب هذه الأسر العربية الأصل فإنها تشلّحت حتى نست لغتها وإن لم تنسَ غيرتها العربية الدينية» (إليغ قديما وحديثا، ص 10). ومن تلك الأسر العربية المتشلحة مثلا قبائل شتوكة العربية الأصل؛ وفي المقابل ها هي تامسنا منطقة قبيلة البرغواطيين البربرية (من أتباع قدامى الخوارج الصفرية) قد استعربت كلية منذ عهد مديد؛ وها هو فن عبيدة الرمى يتأثر بفنيْ أحواش وأحيدوس، إلخ.

بعد ما سقته اختصارا، كيف يجوز الادعاء أن الأمازيغ قوم قُهروا وسُلبُوا من هويتهم ومقوماتهم وانتُزع منهم، كما كتب بعضهم، كل شيء: «لغتهم، ثقافتهم، أراضيهم، تاريخهم، وحتى أحلامهم». وفاعلو هذا الانتزاع الهائلِ المدمر ليس الرومان ولا المعمرين الفرنسيين، بل العرب الخلص في الفتوحات الإسلامية، بيد أن هؤلاء تاريخيا لم يكونوا وحدهم، وإنما اختلط بهم مبكرا أقوام من الداخلين في الإسلام، أي منذ خلافة عمر بن الخطاب التي عرفت انتصارين باهرين على القوتين العظميين إذ ذاك: انتصار القادسية على الإمبراطورية الفارسية الساسانية في الـ14هـ، وانتصار اليرموك على الإمبراطورية البيزنطية في السنة الموالية... إنه، إذن، ادعاء سائب ممجوج، بعيد عن إثباتات المؤرخين الثقات من مغاربيين وأجانب؛ ادعاء أدمن على ترديده عبيد المقولات العرقية والانتماءات العصبية الطهرانية.

من جهة أخرى مكملة، يجترح غلاة الأمازيغية حيفا –وأيَّ حيف!- حينما يصرحون بأن بين موسى بن نصير (الذي تأذى منه طارق بن زياد لأسباب سياسية صرفة) وبين هوبير ليوطي المقيم الاستعماري العام، لا يترددون في تفضيل هذا الأخير لكونه في زعمهم اتسم بنزعة إنسانية، مع أن سياسته في التهدئة الاستعمارية وغزو العقول والقلوب، التي انتهجها في المغرب، إنما صاغها بيدٍ من حديد في قفاز من حرير، سياسة نزع فيها بحزم واستماتة إلى استعداء البربر على العرب والحركة الوطنية، كيما يحكِم قبضته على البلاد وأناسها، وذلك ما تفصح عنه كتاباته ودورياته.

وحسبنا أن نطلع على دوريته بتاريخ 16 يونيو 1921، سيئة الصيت (سبقتها أخرى في سبتمبر 1914) وعرفت أوجها التطبيقي في ماي 1930 مع "الظهير البربري" الشهير، الذي يحرم على البربر تعلم اللغة العربية وبالتالي التمكن من قراءة القرآن، كما يرقّي القانون العرفي "إزراف" على حساب الشرع الإسلامي؛ غير أن معارضة الحركة الوطنية، المستندة إلى شفرة عُمقية عربية-بربرية أحبطت مشروع المارشال ليوطي التفريقي وأفشلت مراميه.

وعليه، فإن القول بإنسانية هذا الأخير بدعوى احترامه لعقيدة السكان الدينية ولمؤسساتهم وتقاليدهم، إنْ هو إلا قول مشروخ وعصارة مغالطات وتدليس صارخ.

أما أن يتملك أولئك الغلاة، كما يفعل محمد أركون، الحركي الثقافي، أعلاما كأبولي وترتوليان وأوغسطين كبير أساقفة هيبون (عنابة)، وذلك باعتبارهم وجوها أمازيغية، فأمر مزيف مردود، ذلك لأن انتماءهم إلى الثقافة اللاتينية المسيحية، إبان الاحتلال الروماني لإفريقيا الشمالية، لا غبار عليه ولا جدال فيه.

هذا وإنه يغيب عن تلك الوجوه وليدُ الجزائر آخر (ولا أحد يختار مكان ولادته) هو تيرانس (من القرن الثاني ق.م.)، فالأحرى بالغلاة والأولى أن يتبنوا واحدة من أروع أفكار هذا الدراماتورجي القرطاجني، وهي «أنا إنسان، ولا شيء إنسانيٌّ يغرب عني»، وذلك سعيا إلى أن يصلحوا وجهتهم ويقوّموا بوصلتهم فيلغوا ميولاتهم الإثنية و"العربوفوبية"، التي تجعلهم بالتأكيد، كما أسلفت، في حالة مخالفة بينة صارخة مع ممارسة أغلبهم لكتابات أدبية ودراسية حيث لا لغة لهم فيها إلا العربية. وإن كانت هذه المفارقة لا تحرجهم، فما أكثر من يحق لهم أن يندهشوا لها ويستغربوا.

ختاما، إذا صح أن لفظ "أمازيغ" يعني الأحرار، فلا أقل من أن ينسحب هذا المعنى أيضا على غيرهم من عرب وفرس وأكراد وسواهم، وبهذا ينتفي كلُّ حكر (أو منوبول) للحرية كصفة ومفهوم. وعليه، فمن تجليات الحرية وتعابيرها الأكيدة أن نقبل بالتعدد والتنوع، فلا نمنع تيارا أمازيغيا في أن يؤسس لأمازيغية أخرى مغايرة، تعتمد مثلا الحرف العربي في أبجديتها عوض حرف تيفيناغ إشكالي المأتى، عسير المأخذ، صعب التنزيل والتدريس، وتنزع عنها تماما أيَّ عنصرية ضد العرب وأيَّ عِداء للغة العربية وثقافتها، كما للإسلام كدين وحضارة والذي كان الأمازيغ الأحرار حقا من معتنقيه وبناته، وقد سبقت الإشارة إليه.