علاقات روسيا والمملكة .. من الإمبراطورة كاترين إلى القيْصر بوتين

علاقات روسيا والمملكة .. من الإمبراطورة كاترين إلى القيْصر بوتين

رغم التباعد الجغرافي، فإن المغرب وروسيا تجمعهما علاقات متميزة دخلت منعطفاً جديداً منذ سنة 2002، وباتت أكثر متانة بالزيارة التي قام بها الملك محمد السادس السنة الماضية إلى موسكو.

الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الحكومة الروسي دميتري ميدفيديف، هذا الأسبوع، مرفوقاً بوفد من الوزراء والمسؤولين، أعطت دينامية جديدة لهذه العلاقات على مختلف المجالات؛ إذ جرى التوقيع على اتفاقيات جديدة بلغ عددها الاجمالي 27 اتفاقية.

وترجع العلاقات الأولى بين المملكة المغربية وجمهورية روسيا الاتحادية إلى أوائل القرن الثامن عشر، حيث تم توقيع اتفاقيات خاصة بالصيد البحري والتجارة بين السلطان سيدي محمد بن عبد لله والإمبراطورة كاترين الثانية.

وبحسب محاضرة ألقاها سعيد أمزازي، رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط، خلال حفل أقيم الأربعاء على شرف ميدفيديف لمنحه دكتوراه شرفية، فإن طنجة احتضنت سنة 1897 مقر القنصلية العامة لروسيا.

ومباشرة بعد عامين، بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل رسمي، وأضاف أمزازي في محاضرته قائلاً: "لا يجب على المغاربة أن ينسوا أن روسيا رفضت في أوائل القرن العشرين المشاركة إلى جانب القوى الأوروبية الساعية إلى تقسيم الأراضي المغربية، كما أن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة تعترف باستقلال المغرب في 11 يونيو 1956".

وأشار رئيس الجامعة إلى أنه خلال الفترة السوفياتية والحرب الباردة، كان الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين سمةً طبعت العلاقات بين المغرب وروسيا.

استمرت العلاقات على نحو جيد، وحل ليونيد بريجيد بالمغرب سنة 1961، وهو آنذاك رئيس الاتحاد السوفييتي بين عامي 1964 و1982 الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي في الفترة نفسها.

كما قام الملك الراحل الحسن الثاني بزيارة إلى موسكو سنة 1966، وهي السنة التي وفرت فيها روسيا للمغرب فرصة تدريب لأكثر من 1500 مهندس وتقني مغربي للمساهمة في تصنيع البلاد.

وأشار أمزازي إلى أن الملك محمدا السادس عمل على تمتين العلاقات التاريخية بين البلدين منذ اعتلائه العرش، فقام بزيارة رسمية إلى موسكو في أكتوبر 2002 أعطت دفعة قوية للعلاقات؛ إذ تم خلالها الإعلان عن شراكة استراتيجية تشمل مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية.

وبعد أربع سنوات فقط، حل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرباط (2006)، ليقوم الملك محمد السادس من جديد بزيارة رسمية إلى موسكو في مارس من العام الماضي، عرفت توقيع 16 اتفاقية ثنائية، ليصبح مجموع الاتفاقيات الموقعة بين الدولتين 27 اتفاقية تهم مختلف المجالات.

والحصيلة اليوم: المغرب أول شريك تجاري لروسيا في القارة الإفريقية، وروسيا أصبحت سوقاً أساسياً للمنتجات الزراعية المغربية، خصوصاً البرتقال والطماطم.

واتبعت روسيا في السنوات الأخيرة سياسة نموذجية من أجل كسر وتجاوز الصعاب التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفياتي، حتى أصبحت اليوم لاعباً أساسياً على الساحة الدولية، وهي عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولها دور في توزان النظام العالمي، ولاسيما في العالم العربي.

لم يتوقف التعاون بين المغرب وروسيا؛ فهذه الأخيرة كان لها الفضل في إطلاق أول قمر اصطناعي للمغرب سنة 2001 تحت اسم "زرقاء اليمامة"، حمله إلى الفضاء صاروخ روسي في العاشر من دجنبر من عام 2001 انطلاقاً من قاعدة توجد بكازاخستان.

وفي السنوات الأخيرة، عرف التعاون وتيرة سريعة وشمل مجالات عدة، منها العدالة والطاقة والسياحة والصناعة والبحث العلمي وتقنيات الاستشعار عن بعد والهندسة المدينة والخدمات اللوجستيكية. وقد مكن هذا التعاون من بناء مركب الطاقة المائية "الوحدة"، الذي يعتبر أكبر المجمعات في العالم العربي وفي إفريقيا.

كما أنه من المرتقب، وفق ما أشار إليه رئيس جامعة محمد الخامس سعيد أمزازي، أن تعمل روسيا على تمتين تواجدها في السوق الإفريقية عن طريق إنشاء محطة للغاز في الجرف الأصفر بالقرب من مدينة الجديدة.

وعلى صعيد آخر، تضم روسيا اليوم أكثر من 25 مليون مسلم، واعتبر أمزازي أن نموذج المغرب في الإسلام المعتدل الذي يسهر عليه الملك محمد السادس سيكون مفيداً جداً لروسيا في مجال مكافحة التطرف الديني.

وعلاوة على ذلك، أشار أمزازي إلى أن وجود عدد من الكنائس الأرثوذوكسية الروسية في بلادنا، من بينها كنسية دورميتيون وهي مصنفة تراثاً وطنياً، يعتبر رمزاً بارزاً للاحترام الذي تبديه الدولة والشعب المغربيين تجاه الديانات الأخرى.

وأصبحت دروس اللغة الروسية تجذب أكثر فأكثر الطلاب المغاربة. فبحسب رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط، يدرس حالياً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أكثر من 200 طالب مغربي اللغة الروسية، ومن المنتظر أن ينضموا إلى 1200 طالب مغربي يدرسون حالياً في الجامعات الروسية.

وأبرز أمزازي أن مجموع الطلبة الذين حصلوا على ديبلومات من الجامعات الروسية إلى حدود اليوم بلغ حوالي 20 ألف طالب مغربي، وهو مسار جاء بتشجيع من الملك الراحل الحسن الثاني، وأشار إلى أن 600 طالب مغربي اختاروا الاستقرار بشكل نهائي في روسيا، فيما عاد منهم حوالي 2500 إلى المغرب مرفوقين بزوجات روسيات.