هذه أسباب دعوة الملك المغاربة لرفض مذاهب الشرق والغرب

هذه أسباب دعوة الملك المغاربة لرفض مذاهب الشرق والغرب

كان لافتا عودة الملك محمد السادس في خطابه الذي ألقاه يوم أمس بمناسبة الذكرى الـ16 لتربعه على عرش البلاد، إلى التأكيد على قضية الهوية الدينية للمغرب، ودعوته المواطنين بالافتخار بمذهبهم المالكي السني، واعتزازهم بدينهم المغربي المتفرد، ورفضهم للمذاهب الوافدة من الشرق والغرب على حد سواء.

وكان العاهل المغربي قد تطرق في مناسبات سابقة إلى موضوع الهوية الدينية للمغرب والثوابت الاعتقادية في البلاد، خاصة في المناسبات التي أشرف خلالها على إطلاق بعض المشاريع التي تندرج في نطاق إصلاح المؤسسات الدينية وهيكلة الحقل الديني، لكن عودته إلى ذات الموضوع في الظرفية الراهنة له قراءات شتى.

سياقات ضاغطة

ويقول إدريس الكنبوري، الباحث في الجماعات الإسلامية والمسألة الدينية، في هذا الصدد إن عودة الملك في خطاب العرش إلى موضوع الهوية الدينية للمغاربة، تعني تأكيد الحرص عليها من جديد، في ظل ظروف داخلية وإقليمية ودولية، أصبحت تلقي بثقلها على الجميع، ولم يعد أحد في منأى عنها".

ويشرح الكنبوري لهسبريس بأن التطرف الديني أصبح اليوم ظاهرة ملحوظة، ولم يعد الأمر مرتبطا فقط بتطرف الجماعات المتشددة والمسلحة التي تنشر خطابها التكفيري على نطاق واسع عبر وسائل الاتصال الحديثة وتستقطب الأتباع، بل بدأ هذا التطرف يزحف إلى داخل المجتمع نفسه".

وتابع الكنبوري بأن ذلك ظهر من خلال مجموعة من السلوكات المتطرفة التي باتت تعكس تحولا في الوعي الجماعي إزاء عدد من الظواهر الاجتماعية، من منطلق ديني، كما حصل في الأسابيع الماضية في بعض المدن المغربية"، مبرزا أن "هذا تحول بدأ يظهر في المجتمع بسبب ثورة الاتصالات التي جعلت الخطاب الديني المتطرف قريبا من الجميع".

واسترسل المحلل بأن "ما يلفت النظر في الخطاب الملكي المقارنة بين الوضع الحالي في المغرب والوضع قبل 60 عاما، حينما تم نفي السلطان محمد الخامس، وحصل إجماع وطني واسع حول السلطان الشرعي، كأن الخطاب يثير الانتباه إلى ضرورة إحياء هذا الإجماع الوطني اليوم حول الثوابت الدينية والقيمية للمغاربة، واعتبار الهوية الوطنية المحور الذي يلتف حوله الجميع".

وبين الكنبوري بأن خطاب العرش ذكر بالقيم الروحية والإنسانية التي ناصرها المغاربة في تلك الفترة، وعلى رأسهم السلطان محمد الخامس، الذي اتخذ موقفا بطوليا آنذاك من اليهود المغاربة عندما طالبت بهم حكومة "فيشي" الفرنسية التي كانت موالية للنازية، وفيه اليوم تذكير بقبول الاختلاف والتسامح الديني والثقافي".

وشدد المتحدث على أنه يتعين اليوم إدراك أن المشكلة ليست في التنوع، فقد كان دائما موجودا، ولكن في التعصب الذي غير نظرة الناس إلى هذا التنوع، فأصبحوا يرفضونه بينما كان أجدادهم يعيشونه بشكل طبيعي، وهذا الأمر كان موجودا دائما في المغرب دون أن يثير مشكلة، طالما لم يرتبط بأي فتنة سياسية يمكن أن تمس بالوحدة الوطنية أو الثوابت المجمع عليها".

وبين الكنبوري أن التأكيد على الثوابت لا يلغي حق الآخرين في الاختلاف والتنوع، باعتبار أن هذا التنوع يجب أن ينطلق من القاعدة العامة التي تمثلها تلك الثوابت من ناحية، ومن كونه يشكل أقلية لديها الحق في الاختلاف، لكن مع واجب احترام الثوابت، وفي قلبها المؤسسة الملكية، التي يعطيها الدستور دورا مزدوجا، دينيا وسياسيا، باعتبار أن مؤسسة إمارة المؤمنين تمثل الجميع".

رفض دروس الخارج

ونبه مؤلف كتاب "الإسلاميون بين الدين والسلطة" إلى أن الخطاب الملكي كان صريحا في الإشارة إلى رفض المذاهب القادمة سواء من الشرق أو من الغرب، وهذه إشارة جديدة في الخطب الملكية في ما يتعلق بالتوجهات الدينية للمملكة، إذ أن هذه المذاهب باتت تهدد ثوابت المملكة المتعارف عليها تاريخيا".

وأردف الباحث بأن الحديث عن السلفية ومشتقاتها ومنظومتها الاعتقادية صار يفوق بكثير الحديث عن المالكية أو الأشعرية، بل إن هناك في الكثير من الأحيان نوع من الانفلات في هذه النقطة، حيث يعيد البعض طرح الخلافات القديمة بين الأشعرية والحنبلية أو السلفية الكلاسيكية، فهذا المجال ما يزال غير محسوم حتى الآن".

وذهب الكنبوري، في هذا الصدد، إلى أن النقاشات الأخير عن السلفية، في الندوة التي نظمها المجلس العلمي الأعلى، قبل أشهر خلت، أو في بعض الدروس الحسنية التي ألقيت في شهر رمضان الأخير، مؤشر على أن هذا المجال غير محسوم، ومن هنا هذه الإشارة الملكية الهامة في خطاب العرش" وفق تعبيره.