زينب النفزاوية .. حُسن فاتن وعقل راجح

زينب النفزاوية .. حُسن فاتن وعقل راجح

انطلاقا من المثل القائل: "وراء كل رجل عظيم امرأة"، سنتطرق إلى سيرة امرأة عظيمة صنعت رجالا عظماء، وكانت لها بصمة في تغيير تاريخ المغرب، ألا وهي زينب النفزاوية، التي لقبت بالساحرة والكاهنة لأنها أصرت على ألا تتزوج إلا ممن يملك المغرب كله، فتحققت نبوءتها فكانت زوجة لأربعة أمراء، ولذلك تلقب أيضا بزوجة الملوك.

وقبل ذلك، لا بد أن نشير إلى السياق التاريخي الذي عاشت فيه هذه المرأة، التي سحرت الناس في زمانها برجاحة عقلها وحسن جمالها.

بعد سقوط الدولة الأموية في الأندلس وتأسيس الممالك، وتجاذب الحكم بين الفاطميين والعباسيين بالمغرب الأقصى، اطربت الأحوال، وعاد الناس إلى القبلية والعصبية، وابتعدوا عن الإسلام، فأصبحت كل قبيلة تُغِير على غيرها، كان لا بد من ظهور من يعيد الأمور إلى نصابها.

فخرج أمير صنهاجة، وهو من جدالة، الشيخ "يحيى بن إبراهيم" قاصدا الحج، وأثناء رجوعه مر بالشيخ أبي عمران الفاسي، فطلب منه أن يرسل معه من يفقه الناس في دينهم ويعيدهم إلى جادة الصواب، فوجهه إلى الشيخ وجاج بن زلو اللمطي، فأرسل مع يحيى بن إبراهيم الشيخ عبد الله بن ياسين.

ولما وصل الشيخ عبد الله بن ياسين رفقة يحيى بن إبراهيم إلى صنهاجة، كرهه الناس ورفضوا ما دعاهم إليه من فرائض الإسلام، وأحرقوا داره وأخرجوه من صنهاجة، فخرج معه يحيى بن إبراهيم ومعهما سبعة أو ستة آخرون إلى جزيرة جوار نهر السنغال، وجعلوا لهم رباطا للدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، ومن هنا بدأ الاستعداد لتأسيس "دولة المرابطين" التي حكمت المغرب والأندلس في ما بعد.

ولما بلغ عدد المرابطين حوالي ألف رجل، خرجوا للجهاد في سبيل الله بالسيف، ومحاربة كل من أبى الطاعة وخرج عن الجماعة، وبدؤوا بجدالة، قبيلة يحيى بن إبراهيم، ثم لمتونة فأغمات وهكذا.

وفي أغمات ستدخل زينب النفزاوية على الخط، هذه المرأة التي لم تذكر كتب التاريخ تاريخ ميلادها لأنها لم تكن معروفة، ولم يكن لها شأن، وأغلب الظن أنها ولدت في عشرينيات القرن الخامس الهجري، الموافق لثلاثينيات القرن الحادي عشر الميلادي، واسمها زينب بنت إسحاق النفزاوية، نسبة إلى قبيلة نفزاوة، من بربر الأمازيغ القاطنة بطرابلس الغرب، واتفق أغلب المؤرخين على أنها كانت ابنة تاجرٍ كبير من تجار مدينة القيروان اسمه إسحاق الهواري، نسبة إلى قبيلة هوارة الأمازيغية، وقيل إنها كانت فاتنة الحسن والجمال، كما قال بن خلدون: "كانت إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة" ورفضت الزواج، إلا أن يكون ذلك من رجل له شأن ومكانة، فتحققت رغبتها وتزوجت من شيخ قبيلة وريكة يوسف بن علي، ثم طلقها وتزوجت أمير أغمات لقوط بن يوسف المغراوي.

وحين استولى المرابطون على أغمات، فر زوجها وتركها، فكانت من جملة ما سباه عبد الله بن ياسين، وعرف ما هي عليه من رجاحة العقل وحسن الجمال فقال لها: "لا ينبغي لامرأة مثلك أن تبقى بلا زوج، ما رأيك؟ فقالت: "ألست ولي الأمر؟" فقال: "فما رأيك بأمير المرابطين أبي بكر بن عمر اللمتوني" فصمتت قليلا ثم قالت: "الأمر لولي الأمر".

فتزوجها أبو بكر بن عمر اللمتوني، بعد أن سحرته بحسنها وجمالها ورجاحة عقلها، وجعل لها مكانة عظيمة في قلبه، وأشركها في أمره، فشرع في تشييد مدينة مراكش لتقيم بها، وكان يستشيرها في الحكم ويأخذ برأيها في كثير من الأحيان.

وعندما بلغه الصراعُ الذي نشب بين قبيلتي لمتونة ومسوفة بجنوب المغرب أثناء انشغاله بفتح بقية البلاد، دفعَه هذا الأمر إلى ترك زوجته زينب النفزاوية عام 453هـ الموافق لـ 1021م، والتوجّه إلى الصحراء خشية افتراق كلمة القبائل هنالك ويضيع كل ما بنوه من قبل، فأخبرها بما سيكون منه وما عزم عليه، فأصرت على مرافقته، إلا أنه قال لها: "والله إن فراقك لأثقل علي من مفارقة نفسي، ولكني ذاهب إلى صحراء قاحلة، وجهاد في سبيل الله، لا أستقر في مكان، ولا أدري ما يصنع الله بي، وإن امرأة في مثل حسنك وجمالك ليعز علي أن أعرضها للمهالك، وإني لمطلقك على كره مني، وإنه الحلال الذي كرهه الله لنا، وإن مثلك لا يليق بها أن تبقى بلا بعل، وإني أرى أن تتزوجي ممن هو كفؤ لك، فإذا انقضت عدتك فتزوجي من يوسف بن تاشفين فإنه ابن عمي وخليفتي في غيبتي".

وهكذا طلق زينب بعد زواج استمر ثلاثة أشهر فقط، ونصحها بالزواج بيوسف بن تاشفين الذي جعله خليفته على بلاد المغرب، ونصحه بالزواج بها، وقال له: "تزوج من زينب فإنها امرأة مسعودة".

وعاد إلى الصحراء وفُتحت على يديه أكثر من خمسة عشرة دولة إفريقية، أهمها: السودان، تشاد، النيجر، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غينيا بيساو، سيراليون، مالي، غانا، توغو، الكاميرون، إفريقيا الوسطى، الغابون.

وبعد أن تسلم يوسف بن تاشفين زمام الأمر ببلاد المغرب، عمل بنصيحة ابن عمه أبي بكر بن عمر، وطلب من قائد جيوشه "سير بن أبي بكر" أن يخطب له زينب، لأنه هابها وخشي أن ترد طلبه، فلما جاءها سير بن أبي بكر قالت له: لا أتحدث في هذا الشأن إلا مع صاحب الشأن، فعاد إليه وبشره بقبولها، فتقدم إليها وطلب الزواج بها فقبلت.

وهنا سيظهر الدور الحقيقي لهذه المرأة، لتصنع رجلا عظيما لُقب بأمير المسلمين وسادس الخلفاء الراشدين، حيث دانت له جل بلاد المغرب الكبير وبلاد الأندلس.

وبعد مدة استقر الأمر ليوسف بن تاشفين، وبلغت شهرة دولة المرابطين تحت قيادته الآفاق، ولما علم أبو بكر بن عمر بما أصبح عليه بن تاشفين قرر العودة إلى المغرب بعد أن استتب له الأمن بالصحراء وقد أضمر في نفسه خلع بن تاشفين وإجباره على رد الأمانة إلى أهلها.

وحين علم يوسف بن تاشفين بعودة ابن عمه أبي بكر بن عمر وكان عازما على رد الأمر إلى صاحبه، استشار زوجته زينب، وفي هذه الاستشارة ستظهر عظمة هذه المرأة، وبعد نظرها ورجاحة عقلها، لتغير مجرى التاريخ والأحداث، فقالت له: أترد عليه أمانته فقط ليقال رجل متورع وفيٌّ حافظ لعهده وأمانته؟ فما يكون من جندك إن رفضوا ذلك وعصوا غيرك؟ أفتجعلها حربا بينك وبينه؟ أليس في ذلك مضيعة للبلاد والعباد وهدم لكل ما بنيته؟ فما هذا برأي. إن ابن عمك رجل متورع عن سفك الدماء، فإذا لقيته فاترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه، وأظهر أثر الترفع والاستبداد، حتى كأنك مساو له، ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا والأموال واستكثر من ذلك، فإنه بأرض صحراء وكل ما جلب إليه من هنا فهو مستطرف لديه".

فأخذ بن تاشفين برأيها وخرج للقاء بن عمه في جيش عظيم، وألف بعير محملة بأجمل الهدايا، فلما لقيه لم يتأدب معه، ولم ينزل ليسلم عليه، بل حدثه بترفع واستكبار، فنظر أبو بكر إلى كثرة جيوشه وقال له: يا يوسف، ما تصنع بهذه الجيوش؟ قال: أستعين بها على من خالفني، فارتاب أبو بكر به وعلم أنه لن يسلم له الأمر، ثم نظر إلى ألف بعير قد أقبلت موقرة فقال: ما هذه الإبل الموقرة؟ قال: أيها الأمير، إني قد جئتك بكل ما معي من مال وأثاث وطعام وإدام لتستعين به على بلاد الصحراء، فازداد أبو بكر تعرفا من حاله وعلم أنه لا يتخلى له عن الأمر، فقال له يا بن عم: انزل أوصيك، فنزلا معا وجلسا، فقال أبو بكر: إني قد وليتك هذا الأمر وإني مسؤول عنه، فاتق الله في المسلمين واعتقني واعتق نفسك من النار، ولا تضيع من أمور رعيتك شيئا فإنك مسؤول عنه. والله يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك وعليهم، ثم ودعه وانصرف إلى الصحراء، فأقام بها مواظبا مجاهدا في كفار السودان إلى أن استشهد بسهم مسموم أصابه في شعبان سنة ثمانين وأربعمائة، بعد أن استقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب من بلاد السودان.

ورجع ابن تاشفين إلى زوجته زينب وهو يحس بأنه غدر بابن عمه وخان عهده وأمانته، فطمأنته وشدت من أزره وزينت له ما فعل حتى أقنعته.

وهكذا كان لاستشارتها الحسم في إسقاط أمير وتولية أمير، وشدت من عزيمة زوجها حتى بلغ ما بلغ، وولدت له ثلاثة أبناء هم: تميم والفضل والمعز، وشجعت ابنها تميم قائد الجيوش على طاعة أخيه من أبيه علي بن تاشفين في خلافة الحكم لتحافظ على دولة زوجها بحكمتها وحسن تدبيرها.

وكان يوسف بن تاشفين يثني عليها أمام الملأ ويذكر فضلها عليه في فتح بلاد المغرب وتوسع دولة المرابطين.

وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاتها، فقيل توفيت سنة 1071 وقيل سنة 1072 وقيل سنة 1076 وقيل سنة 1081، والراجح أنها توفيت سنة 464 هجرية الموافق لـ 1071م.

وللاطلاع أكثر على حياة هذه المرأة ترجى العودة إلى الكتب التالية:

- الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للناصري.

- الكامل في التاريخ لابن الأثير.

- العبر لابن خلدون.

- وفَيَات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان.