أي نموذج تنموي نريد؟؟

أي نموذج تنموي نريد؟؟

مازلنا في بلدنا المغرب الحبيب نتلمس الخطى ونشق طريقنا الذي لم يستو بعد ولم نعرف له نهاية. انطلقنا من الناحية الاقتصادية والتنموية في مربع واحد مع دول شرق آسيا مثل كوريا والفيتنام وتايلاند، فباتت الهوة بيننا وبينهم مع مرور الزمن عميقة والشرخ حادا. هم حققوا المعجزات وعظيم الإنجازات ونحن لم نحصد سوى الخيبات المتتاليات متجلية في تضخم شائه في بعض المجالات وعجز قاتل في مجالات أخرى. وضع اقتصادي مختل بعيد كل البعد عن الاعتدال والموازنة.

مرت 14 سنة على انطلاق برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الذي يعتبر ورشا ملكيا بامتياز ورد ذكره في خطاب ملكي: "إن الأمر يتعلق بالمعضلة الاجتماعية، التي نعتبرها بمثابة التحدي الأكبر، لـتـحـقـيـق مـشـروعـنـا الـمـجـتـمـعـي الـتـنـمـوي، والـتـي قـررنـا، بـعـون الله وتـوفـيـقـه، أن نـتـصـدى لـهـا بـإطـلاق مـبـادرة طـمـوحـة وخـلاقـة، باسـم "الـمـبـادرة الـوطـنـيـة للـتـنـمـيـة الـبـشـريـة". وتـنـدرج هـذه الـمـبـادرة ضـمـن رؤيـة شمـولـيـة، تشـكـل قـوام مـشـروعـنـا الـمـجـتـمـعـي، الـمـرتـكـز عـلى مبـادئ الديـمـقـراطـيـة السـيـاسـيـة، والفـعـالـيـة الاقـتـصـاديـة، والتـمـاسـك الاجـتـمـاعـي، والـعـمـل والاجـتـهـاد، وتـمـكـيـن كـل مـواطـن مـن الاسـتـثـمـار الأمـثـل لـمـؤهـلاتـه وقـدراتـه.."

مقتطف من خطاب جلالة الملك محمد السادس بتاريخ18 ماي 2005.

إن مرور 14 سنة كافية لتجلية الوضعية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت في صلب اهتمام المبادرة. فهذا الورش كان من أولوياته محاربة الهشاشة والفقر في الوسط القروي ومحاربة الإقصاء الاجتماعي بالوسط الحضري. فهل تمت محاربة هذه الاختلالات أم زادت حدتها. الناظر في أحوال العديد من الأرياف والجماعات يلاحظ وكأن سكان هذه المناطق يعيشون في العصر الحجري بوسائل بدائية يقطعون الأميال للحصول على شربة ماء. ما زالت النساء تلدن في الطريق إلى المستشفى إن وجد. مازالت المواعد تضرب لمدة سنة أو ستة أشهر وتخص أمراضا مزمنة ومستعجلة... مازالت ساكنة الجبال تعاني الأمرين من جراء شدة البرد وقساوة الطقس وتراكم الثلوج وبات الحصول على حطب التدفئة من سابع المستحيلات بفعل المراقبة المشددة على الغابات وخطورة الاستنزاف الكبير للغابة على البيئة وحدوث الخلل في التوازن الإيكولوجي. هذا في غياب حلول عملية من طرف الدولة من قبيل تخفيض التسعيرة الكهربائية طيلة فترة الشتاء... وهناك مناطق معزولة بسبب غياب المسالك الطرقية وفشل بعض برامج فك العزلة عن العالم القروي..

إذا أضفنا لهذه النقائص سوء تدبير الفاعل المدني الذي يسند إليه تنفيذ هذه البرامج من قبيل طبخ الفواتير والتلاعب بالأموال العمومية بالاتفاق مع الممونين في النفخ من حجم الاعتمادات والمبالغ. والغش في الإنجاز وغياب المراقبة وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. كل ذلك أدى إلى فشل جل برامج المبادر ة وأفرغها من محتواها.

إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، يرى أن من بين أسباب فشل هذه المبادرة هو عدم انفتاحها على الهيئات الحقوقية والنقابية الجادة، قائلا إنها "مبادرة شبه مغلقة تتكفل بها جهة وحيدة هي وزارة الداخلية".وأكد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان على وجوب "دمقرطة المبادرة وانفتاحها على الفاعلين الحقوقيين وإخضاعها للمحاسبة والتدقيق عبر المجلس الأعلى للحسابات أو إحدى هيئات المراقبة"، إضافة إلى وجوب "ملاءمتها مع التزامات المغرب الدولية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذا ذوي الاحتياجات الخاصة والمرأة والطفل". جريدة هسبريس الخميس 3 غشت 2017.

يقول عبد العالي الرامي وهو فاعل جمعوي:"ضعف المواكبة الفعلية والتقنية للجمعيات من لدن المصالح التقنية الإقليمية، وضعف تتبع المشاريع من لدن اللجان المحلية، وغياب تتبع استغلال هذه المشاريع من لدن اللجان المحلية والمصالح الخارجية، فضلا على توسع دائرة الخلافات بين أعضاء بعض الجمعيات الحاملة للمشروع بسبب ضعف التأطير وخبرة التسيير، علاوة على ما يتعلق بالدراسات التقنية المتعلقة بالمشاريع أو ضعف جودة التجهيزات الخاصة بها أو التأخير الحاصل في اقتنائها". جريدة هسبريس الخميس 3 غشت 2017.

يقول توفيق بوعشرين أطلق الله سراحه: "قبل أربع سنوات كنت أنجز تحقيقا حول الآثار الاقتصادية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وكنت أبحث في المشاريع التي مولتها المبادرة وفشلت، في تلك الأثناء التقيت أحد الخبراء الذي أنجز دراسات وبحوث ميدانية لصالح المرصد الوطني، وأطلعني على معطيات مثيرة حول فشل عدد من المشاريع التي مولتها المبادرة، وعلى عيوب كثيرة تطال التخطيط والتنسيق والتتبع الميداني، علاوة على مجاملة جمعيات دون غيرها، ويكفي أن نعرف أن نصف الجمعيات الموجودة في المغرب اليوم، وعددها يقدر بحوالي 100 ألف جمعية، خلقت بعد 2005، أي أن 50 ألف جمعية ولدت في حجر المبادرة الوطنية، وفي هذا العدد الضخم هناك الغث والسمين. المهم، لما بدأت أقترب أكثر من جوانب الظل في هذه المبادرة، اتصل بي المصدر الذي ذكرته، وطلب مني بإلحاح عدم توظيف المعلومات التي وضعها بين يدي، ولما التقيته أخبرني بأن وزير الداخلية اتصل به شخصيا وحذره من مغبة التواصل مع الصحافة أو مس أسرار المبادرة… استغربت الأمر إلى أن قرأت تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي وقف على جزء من اختلالات هذه المبادرة، ومنها غياب نظام إعلام شفاف أمام الرأي العام، حيث أن الولوج إلى معطيات المبادرة الوطنية ليس متاحا للجميع…" جريدة "بلاد بريس" بتاريخ 20 مايو 2014.

"فإذا كانت مجهودات برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بشكلياتها وطريقة اشتغالها وتدخلاتها الممتدة من سنة 2005 إلى أواخر سنة 2018 لم تحقق أهدافها المبدئية وظلت البلاد في الرتبة 123 خلال السنوات الأخيرة حسب الترتيب الأممي للتنمية البشرية، فإن ذلك فعلا استوجب التقييم الصارم وإعادة النظر في منهجية العمل والتدخل ومعايير إشراك الأطراف المعنية بالعملية التنموية بشكل عام". المكي الحنودي جريدة "العمق المغربي" بتاريخ 19شتنبر 2018.

جاء في الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2017-2018 يوم 13/10/2017.

"إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

ويأتي هذا الخطاب الرسمي من الجالس على العرش معترفا بفشل النموذج التنموي وضمن صلبه ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

بعد 14 سنة من الورش الملكي والتأكد يقينا من اختلالات وخروقات مشاريع المبادرة فهل المطلوب إعادة التجربة نفسها بنموذج تنموي جديد تحت يافطة جديدة، مع الحفاظ على الجوهر المتمثل في احتكار وزارة الداخلية لورش المبادرة وشراء ولاء بعض أطياف المجتمع المدني وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة وصرف الأموال الطائلة على مشاريع ميتة تغيب عنها دراسة الجدوى...

هل سنعيد التجربة نفسها ونطمع في تحقيق نتائج مغايرة؟؟

هل سنسطر برنامجا تنمويا جديدا بنفس آليات وقواعد البرنامج القديم؟؟

في اعتقادي لا يمكن تحقيق نموذج تنموي جديد دون القطع مع مخلفات الماضي الكئيب الذي بوأنا المرتبة 123 حسب الترتيب الأممي للتنمية البشرية.

وللنجاح في أي نموذج تنموي لا بد من استحضار ما يلي:

الشفافية والوضوح في تدبير الثروات الوطنية من مناجم ومعادن من قبيل الفوسفات الذي نحتل فيه المرتبة الأولى عالميا والذهب والفضة وغيرها والثروة البحرية التي تمتد على طول 3500 كيلومتر.

فالشعب لا يعلم شيئا حول ثروة الفوسفات وكيف تصرف عائداته وكأن ذلك سرا من أسرار الدولة، فالبلد والحمد لله يزخر بثروته البحرية الهائلة ويعاني العوز والفقر من ناحية الاستفادة من السمك.

القطع مع المزاوجة بين المال والسلطة فإذا اجتمعا ساد الخراب وعم الفساد.

التوزيع العادل للثروة وذلك بأن يصل لكل مواطن نصيبه من ثروة وطنه على قدم المساواة مع تفضيل ناقصي الدخل وتحقيق عدالة اجتماعية تحقق الكرامة.

إنصاف المظلومين والضرب على أيدي الظالمين بتقوية جهاز القضاء بتفعيل مبدأ فصل السلطات والقطع مع إصدار الأحكام بالتعليمات ومحاسبة القضاة الفاسدين بإنزال أقسى العقوبات.

ضمان الحريات: التعبير، الرأي، الصحافة

تقوية دور الأحزاب بتشجيع الأحزاب الوطنية النابعة من رحم الشعب وتوبة الدولة النصوح من صنع أحزاب إدارية على المقاس بغية التحكم في الخرائط السياسية وصنع حكومات محكومة.

إنصاف جنود القوات المسلحة الذين أبلوا البلاء الحسن في الدفاع عن الوطن وعانوا الويلات على الحدود بتأمين تقاعد مريح يليق بجلال المهمة التي أسدوها للوطن.

القطع مع اقتصاد الريع وسياسة إغناء الغني وإفقار الفقير بإلغاء تقاعد الوزراء والبرلمانيين والتخفيض من تعويضاتهم السمينة، وتخفيض أجور المدراء العامين للمؤسسات العمومية والشبه عمومية (مدير المكتب الشريف للفوسفات يتقاضى حوالي 300 ألف درهم شهريا. والشعب لا يعلم شيئا عن تدبير المكتب ولا مقدار عائداته....).

تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في جميع المسؤوليات والمهام والتكليفات بدءا من السلطة التنفيذية والتشريعية والجهات والجماعات

إحداث تعويض جزافي لفائدة حاملي الشواهد والباحثين عن الشغل عموما.

تبني الدولة لذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والمطلقات وغيرهم من الفئات المعوزة غير القادرة على العمل وتأمين العيش الكريم لفائدتهم.

الاهتمام بالفئات الضعيفة التي تشتغل أكثر وتتقاضى أجرة أقل.

الإنصات للمطالب المشروعة للفئات المحرومة.

تقوية دور المجتمع المدني ودعمه من أجل تحقيق التنمية المستديمة في إطار الديمقراطية التشاركية، والتعامل معه وفق ضوابط ومعايير واضحة.

محاربة الريع الجمعوي وتفعيل مسطرة الافتحاص والمحاسبة العمومية.

إصلاح حقيقي لقطاع التعليم بالقطع مع سياسة التعامل مع المجتمع المغربي وكأنه فأر تجارب نسقط عليه تجارب أمم أخرى... وذلك بإشراك جميع المتدخلين في العملية التعليمية مع إعارة الاهتمام للممارسين في الميدان، ورصد ميزانية محترمة لفائدته.

ضمان الصحة للجميع بتوفير المصحات والمستشفيات والمراكز الصحية وتجهيزها بالوسائل المتطورة وجعل مبدأ التطبيب حقا مقدسا للمواطن مع وفرة الموارد البشرية المختصة. ومحاربة الزبونية والمحسوبية والرشوة في القطاع.

الاطلاع على تجارب ناجحة تربطنا بها علاقات متميزة مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا... وغيرها.

وأخيرا وليس آخرا يقول الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" سورة الرعد الآية 11 ويقول سبحانه: "إن الله لا يصلح عمل المفسدين". يونس الآية 81. "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" آل عمران:165.

فمهما أخدنا بالأسباب وأعددنا الخطط والبرامج الموصلة للتقدم والازدهار إذا لم نصلح ما بداخلنا ونستحضر مراقبة الله في أعمالنا، ونقدم الخدمة بالتفاني والإخلاص حبا في المصلحة العامة، وإعمالا للضمير الحي، حاكمين ومحكومين راع ورعية، فإن الوصول إلى المجد والسؤدد من قبيل المستحيلات.

*متصرف