هذا الخوف الذي يسكننا

هذا الخوف الذي يسكننا

لم نكن قط أقرب إلى الخوف أكثر من أيامنا هذه، الأيام التي أضحينا فيها مستسلمين للخوف المتربص بنا، وأصبحت المسألة مسألة دور ورتبة وصف طويل من الذين ستشرم المُدى شفاههم، وسيقطع السيف أكمامهم، وستسِمهم الشفرة الحادة على وجناتهم، والذين سيقضون بقية حياتهم سجناء أقفاص الخوف والرعب، يحسبون كل لامع مضاءَ سيف أو نصل سكين.

هوى الورى إلى أرذل الدركات، وغلظنا وبلغنا بالقسوة المَدى، وأُترعنا جفاء وتوحشا، وأصبح الشرر يكاد يتطاير من أعيننا المبصرة العمياء . مات الإنسان فينا، وغدونا آلات تتطلع إلى أن تصبح بشرا، وأصبحنا قاب قوسين أو أقل، من أن نُظهر الأنصال والبراثن المخبوءة وراء ضحكاتنا الصفراء.

بَعُدنا عن مراتب الإنسان، فأزهر الخوف فينا، وأنبتنا هذه الميليشيات التي تجول بيننا. لم نستطع قط أن ننتج المسرة، وحصدنا بدلها نصولا قاطعة تصلم الآذان وتجذع الأنوف وتحس الأعناق.

مسوخ من أشباه الآدميين هاذرة مهلوسة ( باعتبار ما يقتاتون عليه من عقاقير متاحة ومعروضة في الطريق) تتوعد الناس بالصلب والحرق والرجم في الطرق ( قطاع الطرق الذين يعتلون القناطر يرمون الناس بمجانيق الحجر). من بنات هذا المجتمع هي، أنجبها هذا المجتمع فتنكر لها وتنكرت له، وانقلبت عليه تقض مضجعه وترهن فرحه.

فِرق للموت موشومة الأكتاف والأعناق، وأصحاب قزع مُخيف، يتوعدون الناس بقطع أصابعهم وآذانهم من خلاف، ويُوقّعوا على خدودهم ما لن يمحوه الرتق واللصق أبدا.

هل تساءلنا مرة من أين أنزلوا ؟ وما الذي جعلهم على ما هم عليه من حال؟ و ما الدافع إلى إصرارهم على سلخ جلودنا والتمثيل بكرامتنا؟ بل من سمح لهولاء أن ينفلتوا من عقالهم؟ يخوفوننا بهم بين الحين والآن؟ وأنشأ حاضنتهم ليتكاثروا هذا التكاثر المخيف؟ ( انظروا إلى الدور المرعب الذي قامت به فرق البلطجية والشبيحة في التنكيل بالمدنيين في مصر والشام).

هم أولاد هذا المجتمع المعلول الأيل للتفسخ، المجتمع الذي عوض أن يلم أبناءه، ويربطهم برباط الأبوة والرحمة، يتركهم وشأنهم يقتتلون ويتعاركون، ويمدهم بكل ما يحتاجونه من تجهيل وعقاقير وسلب للخيرات. وهم في ذلك أيضا أصحاب مسؤولية ، لا تنتفي عنهم ولا ترتفع، ولا يدفعونها عنهم بأي شكل من الأشكال، فالشركة في الجرم سواء بين الاثنين.

جبروت الموت في الرعب الذي يظل يهدد به، وسلطان المرض في الوعيد الذي ينذر به، وقوة العدوان في تخويف الناس.

الخوف عدو الإنسان الأول، والإنسان الخائف لا يكون إنسانا أبدا، إلى أن يطمئن وتأنس نفسه، والمجتمعات الخائفة ضحية التربص و التوجس والانتظار، والطمأنينة ركن كبير من أركان التعبد.