النموذج التنموي المغربي .. إضاءة

النموذج التنموي المغربي .. إضاءة

أي نموذج تنموي هو الأصلح للمغرب؟ طرح هذا السؤال منذ حصول المغرب على الاستقلال ولازال مطروحا إلى حد الآن، وآخر المناسبات التي أعيد طرحه فيها ذكرى عيد العرش وثورة الملك والشعب. إن طرح السؤال وفي مناسبات متعددة سواء من طرف الملك أو النخب على اختلاف مواقعها يفسر في نظري بأمرين اثنين: أولهما أنه وإلى حد الآن لم يتم الجواب عنه، وثانيهما أنه تم الوقوف على انحصار الأجوبة أو الحلول التي طرحت.

لقد جرب المغرب مجموعة من المخططات، منها القصيرة والمتوسطة وطويلة الأمد، ومنها حتى المستعجلة. تختلف التسميات والاقتباسات والتوصيفات لكن لا واحدة منها استطاعت أن تحدث تلك النقلة النوعية أو المعجزة المرغوب فيها، وتعبر بالمغرب نحو الدول الصاعدة أو النامية أو التي على طريق النمو. لسنا هنا بصدد محاكمة النوايا ولا الإرادات التي تبقى في عمومها طيبة وصادقة. وسواء أكان الطموح فرديا أم جماعيا فمن المفروض أن يدفع بالأمور نحو الأفضل. وهنا يطرح السؤال التقليدي عن مكمن الخلل.

لقد جرب المغرب إدخال تقنيات التحديث في الصناعة والفلاحة والتجارة والنقل وإلى ما ذلك، ويبدو ذلك من وتيرة استعمال التقنيات الحديثة أو الاعتماد على البرمجيات المتطورة في مختلف المجالات، فهل يكفي التحديث لنصبح مجتمعا حداثيا؟ الجواب وبكل بداهة لا. إن التحديث لا يعني بأي حال من الأحوال الحداثة، لأن هذه تعني أساسا البنيات الثقافية والاجتماعية.

المغرب بلد يسعى بكل الارادات الممكنة ليكون حديثا وعصريا، لكن ببنيات فكرية ثقافية واجتماعية تقليدية. إننا لا ندعو إلى القطيعة الكلية مع موروثنا الحضاري والتاريخي، ولكن ألا تمكن مساءلته والنظر في الأمور التي يمكن أن تكون كوابح لتقدمنا ومحاولة تجاوزها ولم لا القطع معها؟.

لنأخذ مثالا صارخا عن نموذج متخلف يربط المواطن بالإدارة المغربية، وهو مسألة التأشير على الوثائق والمصادقة عليها، والتي تتوقف في بعض الأحيان على مزاجية الموظف أو الإدارة. لقد قضيت يوما كاملا للتأشيرعلى وثائق جمعية مدنية، وقد أشفقت على الموظف الذي أوكلت له هذه المهمة، والذي كان عليه المصادقة على كل بيانات أعضاء الجمعية وفي ست نسخ. أما كان يكفي الإدلاء بالوثائق الرسمية، وفي نموذج واحد؟ ثم ما معنى أن يخاطبك موظف ليقول لك: "أنا لا تهمني القوانين. أنا تهمني الإدارة"..ألا يدرك أن القانون أسمى من الإدارة؟..

في الدول الحديثة والحداثية هناك علاقة ثقة بين المواطن وإدارته، ووثائق عديدة يكفي الحصول عليها بالتصريح بالشرف، بل إن الدولة تترك للمواطن أمر التصريح بدخله ودفع ضرائبه، لأن ذلك يعتبر واجبا وطنيا.

إن انعدام الثقة ما بين المواطن والإدارة يهدر كثيرا من الطاقة والوقت والجهد. زد على ذلك التعامل بانتقائية فظيعة مع المواطنين..فما معنى أن نترك مواطنا لا حيل له ولا قوة ينتظر، في حين يكفي أن يحمل آخر بين يديه رسالة توصية ليجد كل الأبواب تفتح أمامه؟ ألا يزيد هذا من حنق المرتفقين وتذمرهم؟.

ان السعي إلى تحديث البنيات على اختلافها يبقى مطلوبا وضروريا، ولكن يبقى بدون جدوى أو محدود الأثر إذا لم نسع إلى تحديث البنيات الثقافية والمجتمعية، لأن الإنسان والمواطن يبقى في الأول والأخير هو المدخل والمخرج، وهو المطلب الأصلي والغاية والأفق. وعندئذ يمكن الحديث حقيقة عن تنمية بشرية.

*كاتب