عيد المدرسة. بأي حال عدت يا عيد؟

عيد المدرسة. بأي حال عدت يا عيد؟

في مقال سابق لي، تحدثت عن حيرة الآباء والتلاميذ بعد البكالوريا وأسميته بـ"الحيرة الكبرى". والآن ها هو الدخول المدرسي يعود من جديد، ويبدو أنه لا يقل حيرة عن الخروج. والعبء الأكبر يتحمله أولياء الأمور الذين لا يكادون يتجاوزون أمرا حتى يعلقوا في آخر.

لقد أصبح ما يسمى عيد المدرسة جحيما بكل ما تحمل الكلمة من معنى. حتى وزيرنا في التربية والتعليم لم يسلم منه، وقد رأيناه ذات يوم يحتج على إدارة مدرسة أبنائه..

أول ما يصطدم به الآباء هو المزاجية المطلقة التي يتعامل بها أصحاب المدارس الخاصة في تحديد أثمنة التمدرس، في فوضى عارمة ودون احترام في كثير من الأحيان لدفتر التحملات؛ بل إن السلطات التربوية أصبحت عاجزة أمام تغول هذا النوع من التعليم، الذي لم يعد المغاربة يجدون بديلا عنه في ظل تراجع خطير للمدرسة العمومية.. هذا التراجع الذي يستهان به اليوم والذي سيؤدي مستقبلا الى كارثة مجتمعية، ذ من البديهي أن مشروع الوطن والدولة والمجتمع تتم صياغته وبلورته وإنجازه داخل مدارس الدولة المعنية الأولى به؛ بل إن من حقها احتكاره، لأننا لا نجازف ومهما بلغت هشاشنا بمشروع الوطن.

لقد أنشأ الوطنيون المدرسة الوطنية المغربية وبإمكاناتهم النضالية البسيطة، وكانت الفكرة هي الرفع من منسوب الحس الوطني وإذكاء جذوة المطالبة بالاستقلال من أجل تحقيق المغرب المستقل وذي السيادة الكاملة على كافة ترابه، وكانت هذه المدرسة مشتلا لصناعة النخب التي ستدافع عن هذا الاستقلال. فهل سنحتاج، اليوم، أيضا ونحن في مغرب مستقل الى استرجاع المدرسة العمومية؟ هل سنحتاج أيضا إلى طينة من هؤلاء الوطنيين، الذين ما كانوا ليرضوا أن يكون مآل حلمهم ونضالهم بهذه الصورة في مغرب اليوم؟

اليوم، لا تنقصنا هيآت استشارية وأطر وبرامج ومخططات وبنيات؛ لكن ربما ينقصنا ما تَمَلَّكَه هؤلاء الوطنيون، والذي كان سلاحهم ومحفزهم لتجاوز كل المعيقات هو الصدق والحب اللامشروط لهذا الوطن.

كم يثير حزني وأسفي أن أسمع تلميذا أمام مؤسسة تعليمية يكيل الشتائم لبلده المغرب وأمامه مجموعة أخرى من التلاميذ تزكيه فيما يقول.

حينما بدأت المدارس الخاصة تفتح أبوابها بداية الثمانينيات من القرن الماضي كان الهدف هو إعطاء فرصة ثانية للتلاميذ الذين تم فصلهم عن الدراسة ولم يعد لهم مقعد بالمؤسسة العمومية. وقد شهدنا كيف أن مجموعة منهم استطاعت بفضل ذلك الحصول على البكالوريا التي يترشحون لها كأحرار. وقد ولجوا التعليم العالي وهم اليوم من خيرة أطر البلاد. كان الهدف هو في بديل للمتعثرين دراسيا وقد كان هدفا نبيلا.

التنافسية لا ينبغي أن تكون بإعطاء الأفضل لمن يستطيع أن يدفع أكثر. هذا لا يستقيم لأننا ننجر إلى سلعنة التعليم والتربية، في حين أنه إذا كان هناك من مجال ينبغي دمقرطته فرضا فهو التربية والتعليم.

ثم ما معنى أن يُلقّن تلاميذ مغاربة لمقررات دراسية أجنبية؟ ألا يضرب هذا في الصميم الهوية؟ ثم كيف لنا أن نجد بعد ذلك تلميذا معتزا بهويته؟ لا ندعو هنا إلى الشوفينية والانغلاق على الذات، ولسنا ضد الانفتاح والتلاقح مع هويات أخرى؛ ولكن دون التفريط في الهوية الأصل.

سيمر وقت طويل قبل أن نستفيق من تخدير وهوس البيع والشراء في كل شيء، وكأننا في بورصة. هذا إذا افترضنا جدلا أننا سنستفيق يوما ما، وحينذاك سنجد أنفسنا قد اصطدمنا بالحائط وانتهى كل شيء.

*كاتب