سؤال القيم

سؤال القيم

سؤالُ القيم وما آلت وستؤول إليه وفي ظل مناخ عولمة وتطورات التقنيات والتكنولوجيات وفتح وافتتاح الأسواق في العالم التي عممتها وسائل التواصل والاتصال والإعلام، سواء افتراضيا أو واقعيا، هذا السؤال أسال مداد مقالات فلسفية وحبر روايات وقريض وقصص أدبية كلها توافقت وتقاطعت حول خطورة وتهديدات مستقبل القيم الإنسانية، لا بسبب استشراف الرؤى وإرهاصاتها؛ ولكن بهدف وقف النزيف والتداعيات الكارثية، خصوصا في أبعاد هذه القيم أخلاقيا وثقافيا وفكريا بل ودينيا أيضا.

لقد أصبحت القيم وكأنها خاضعة لمنطق حاجات واحتياجات سوق الطلب والعرض في محيطات وبحار وأودية العالم، وبدت المساومات المادية وكأنها لغة التواصل الاجتماعي ولغة التفاهم الأسري بل ولغة رجال الأعمال والمال العابر للبر وللبحر تحت غطاء الشركات ما فوق وطنية بجنسيات حربائية تأخذ لون وشكل الوطن الذي يستطيع ضمان سهولة فتح أرصدة عديدة وغنية بالمعلومات الصلبة، كما يوفر أمن رساميل مهربة من عملة صعبة سائلة ومتنوعة.

حتى الحقل الثقافي، للأسف، أصيبت مؤسساته وأبناك الفكر فيه بهذا الفيروس ذي المناعة العالية والمقاومة الشديدة ضد كل أمصال التغيير وضد جميع لقاحات الإصلاح.

مكمن الخلل معروف لأنه تعدى، بكل ما أوتي من جشع وطمع، القيم النبيلة. كما تمادى، بكل ما أعطي من أدرع، في سوء استغلال الفرد وتراثه الذي راكمه عبر تجارب المجتمعات الإنسانية؛ وهو ما يحتم علينا دق ناقوس الخطر القادم المتمثل في الانحطاط القيمي الذي قد يعصف بكامل المجتمع، بحيث يصبح الفرد مثل البراغي اللولبية المتنقلة والمتحركة في مجتمع آلي وميكانيكي، أو بضاعة رخيصة وسلعة بخيسة لاستهلاك الأثرياء وإلهاء الفقراء.

هي رؤيا لا لبس فيها لمستقبل القيم على هذه الأرض التي تسحق فيها الحياة والقيم دون اختزال الواقع في تلك المقولة "المغرب أجمل بلد في العالم". ولأن المجتمع أي مجتمع ليس على قالب ولا شكل واحد في حجم التأثر بل حتى في تفاوت نقاط القوة ومراكز الضعف بينه قد يكون سببه راجع إلى العولمة وخططها الموضوعة للانتشار وتوقيتها الزمني، قطار العولمة وصل محطة المغرب والركاب المغاربة ما زالوا في قاعة الانتظار للدخول فيه وحجز مقاعدهم في رحلة سفر نحو المجهول!

ليس نوع من التفاؤل -العدمية كما هو معلوم بالضرورة سياسيا- لأن التشاؤم لا يليق بالفرد-المواطن. كما أنني لست من المفرطين في التفاؤل؛ لكن هذا لا يمنع من أن نحذر من الخطر القادم من جعلنا سوقا كبيرا لاستهلاك كل وأي شيء حتى القيم والثقافة والفكر والإنسان.

والملاحظ في الاقتصاد والمتأمل في العولمة بأسواقها المفتوحة افتراضيا والحرة واقعيا كيف أصبحت تذوب وتنصهر اللغات، أو كيف بدأت تنتشر العادات والثقافات، أو كيف يباع ويشترى الإنسان بل وكيف يتم دفنه بكثرة القروض والديون، أو كيف ينقب الفقراء عن موائدهم في مزابل الأغنياء.

الأدباء كما المفكرين والفلاسفة أطلقوا صيحاتهم مدافعين عن القيم والأخلاق مثل نعوم تشومسكي مرورا بيورغن هابرماس وقبلهم جاك دريدا، والتي كان تأثيرها، نسبيا، كبيرا ومحدودا والتي لم تسقط في مخالب ازدواجية المبادئ ولم تقع في براثن التعالي والغطرسة، إلا أن رسائلهم المجتمعية في الوقت الراهن تفرض التساؤل حول الورثة الحاليين المحطمين لقيم بناء من سبقوهم مهما كانت كتبهم وكتاباتهم مليئة بالجمال في أعينهم.

نلاحظ في المجتمع المغربي صورا مكررة للاستبداد ومتكررة للفساد،؛ وهو ما يذكرنا ببدايات لشعوب قد انتهت وذاقت حر مرارتها قبائل وثقافات، يريدون بسط نفوذهم عبر صفحات مواقع الكترونية، ووطأة زيارات اقتصادية تستضيف متحدثين من حركات دعوية عالمية مؤدلجة يعملون على تنميط التعليم والتربية والثقافة وإنتاج قيم لأفراد كما يريدون، لا کما يريد المجتمع. لقد اضطر سياسيوهم وخطباؤهم للتوقف عن الإبداع وإنتاج المعرفة منذ قرون مما تعدون حتى دخلوا ميدان السلطة وارتفع الطلب، وباعوا ما عندهم من أوهام للمواطنين واشتروا بها أهواءهم التي اتخذوها آلهتهم، وجعلوا المال والهدايا القيمة شرطا لقبول وتقبل قرابينهم حتى لو داست على القيم الإنسانية السامية؟

هذا الحال للأسف خيوط بداياته بدأت منذ عقود في التفاقم داخل المجتمع المغربي، وملامحه ظهرت ولا تزال عند كل ملتقى ثقافي محلي أو دولي، وفي البرامج الإعلامية، مرئيةً ومسموعةً ومقروءةً، والتي تبخس الأعمال الجادة والجيدة، وتقوم بتجهيل الواعي، لقد تمثلنا مبادئ الحداثة؛ ولكننا ما زلنا نشهد نوبات التحذير والاستعاذة منها بالنكوص نحو تماهيات قديمة.. لذلك، أوصيكم بقراءة الفاتحة على دخول ثقافي وفكري قيل بأنه معاصر وأصيل.

الإنسانية هي الحل

*كاتب