عدنا والعَود أصعب

عدنا والعَود أصعب

عاد الناس إلى مكامنهم، بعد أن تفرّقوا شيعًا وفرقًا، وبعد أن توزعوا في الأرض كل حسب جهده وقدرته وقَدره؛ فمنهم من جاوز الحدود وذهب هنالك ينتشي ويرتع، ومنهم من لاذ بالمنتجعات المُغلقة لا يلجها إلا ذو حظ عظيم ومال وفير، ومن الناس من اكتفى بما يعرفه الناس من ملاذ أو مثوى يراوح بين القبح والرداءة وقليل من الراحة إن توفر، يُوزَعون أمام مواطن البؤس والصهد والقذارة، وكثير من الناس بقي حبيس مِرجله، يصبح على السموم ويبيت على الحرور.

عاد الناس ليلاقوا مصائرهم، وليواجهوا الذي لا مفر من مواجهته، وليلبسوا مقامعهم طوعا، ويدحرجوا كُراتهم.

في هذا الشهر التاسع من السنة، ذي الرهبة الكبرى في النفوس، ففيه تُعصر العائلات عصرا، ويُزلزل الآباء زلزالا عظيما، وهم ينظرون إلى فلذات أكبادهم (المتوّجين حديثا) لا يملكون لهم شيئا؛ فباستثناء الذين حجزوا لأنفسهم مقاعد استحقاقا، والذين غمطوها احتيالا، يجد كثير من "المتوجين" أنفسهم في ورطة حقيقة، لا يملكون لتجاوزها حيلة.

في التاسع من الشهور، يتفقد الآباء ما حوته أرصدتهم المصرفية، لعلها تسعفهم في إيجاد مخرج من هذا الكرب الكبير، يساومون ويستعطفون، وهم يقامرون ويغامرون بأبناء صغار لمّا تنضج بعد جلودهم البضة الرخصة.

مغارم ثقيلة تُفرض على الآباء فرضا، فيتنافسون تنافسا محموما، ويربطون مصيرهم ومصير عيالهم لسنوات عجاف، قد لا يعصرون بعدها، فتكون الوجهة إما إفريقيا السوداء، أو دولة من دول الروس التي لا يعلم أحد ما الذي يجري داخلها، وقد ينحني رب الأسرة "المسكين" (الذي كان يتابع المظاهرات المطالبة بمدرسة عمومية عادلة، وهو يتمطى في كرسيه الوثير بالمقهى) أمام المكوس الهائلة التي تفرضها مؤسسات للتعليم يجنح إليها الجانحون.

معدلات بلغت عنان السماء، وأولاد صغار لمّا يحملوا الرسالة بعد، وموسم هجرة إلى الشمال والجنوب إلى حيث توجد الشهادة ولا أفق في الأفق، وعصفٌ مأكول من الألسن والبرامج والتعويذات والطلاسم والأوامر والفتاوى القادمة من وراء البحر... هكذا يبدو الأمر في الشهر التاسع، شهر الوضع، ومن لم يضعْ خمج الجنين في داره وتقادم وبار . (يُحسب لهذه الأمة العتيدة أنها أول من ميّز في التاريخ بين صلاحية شهادة البكالوريا).

والحق يقال، إننا قوم نتوفر على نظام تعليمي فريد مريب غريب: مفرخة للباكالوريا، وأسلاك متشابكة متخالطة لا يأمن صاحبها على نفسه، ومريدون من كل حدب وصوب، وألسن عجماء وأخلاط من الشهادات والمناصب والمنعرجات والمتاهات والسراديب..

لقد فرح كثير من الناس بغلبهم، وهم بعد غلبهم سينكدون، فقد ارتفعت عتبات الإنجاح وتسامقت المعدلات، وبات الناس ليلتهم فرحين منتشين، وهم لا يعلمون - أو هم يتواطؤون إعراضا وسلبية- أن الفخاخ المعدة لهم ستأكلهم كما ستأكل الذين من بعدهم.

طاولْ عنان السماء وابلغْ ما تشاء من المبالغ؛ فَسنسّدّ الأبواب دونك، وستأتينا طائعا كارها... هكذا يقول حال لسان الثعابين الكبرى، وهكذا ينصبون (بالمعنيَيْن) الممرات الموصلة إلى أفواههم المفغورة، بعد أن درجوا في الممرات الصغرى والمزالق المغرية، يسعون إلى حتفهم بعد أن حفروها بأظلاف الصمت والتواطؤ.