ثقافة التسطيح

ثقافة التسطيح

الحروف أمامك، فخذها من حيادها والعب بها كالفاتح في هذيان الكون، الحروف قلقة، جائعة إلى صورة، والصورة عطشى إلى معنى. الحروف أواني فخار فارغة فاملأها بسهر الغزو الأول. محمود درويش

المتغيرات التي حدثت وما زالت تحدث في عمق المجتمع المغربي تحرك المياه الراكدة نحو موجات من مد القبول وجزر العذول، خصوصا في الشأن الثقافي والمعرفي والاجتماعي، فالأفكار والمفردات والمعلومات والتدوينات الثقافية تعدت جميع الحدود وسدود الجدران الواقية، كل شيء أصبح مباحا ولم يعد هناك مكان لأمر ممنوع أو شيء مقطوع بمقص الرقابة، بل العكس، تزايد الاهتمام بالفيديوهات المثيرة وأشرطة الأخبار الفاضحة للشخصيات العامة والمشهورة وحتى تلك التي تدخل في خصوصيات الرموز، واستفحلت ثقافة الرد والطعن، وتضاعفت حمى الإثارة والتشويق بالتنافس على تقوية تلك الأخبار بالصورة والصوت حتى تحظى بالانتشار في آفاق مواقع التسطيح الاجتماعي ومنتدياتها وبعض الجرائد ومواقعها الالكترونية. فَشَرُهُ النهم والشهوة ما زال يحكمه ويتحكم فيه جوع الحرمان الطويل، وثورة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في كل يوم تأتي بما هو جديد ومثير ومحذرة ومنبهة باستمرار هذه الظاهرة.

والمتتبع للمشهد الثقافي والمتابع للحقل الإعلامي المقروء والمرئي يجده لم يسلم من التقليد والمحاكاة والانسياق وراء ما يطلبه "الجمهور" الباحث عن الإثارة المعرفية أو الإغراق في كثرة تفاصيل هامشية لخصوصيات الأفراد نجوما أو رموزا.

فأكثر البرامج التلفزيونية متابعة في المجتمع المغربي هي التي تروج لذلك النوع من الثقافة. وقد يتفق معي الملاحظ والمتابع لبعض الملاحق الفنية والصفحات الثقافية في بعض جرائدنا وجود الكثير من الأطروحات والمقالات التي تکرس هذا الخلل المعرفي وذلك العطل الثقافي الذي أصبح يشكل حجر زاوية البناء الفكري للعديد من القراء الذين ربما تم تغييب ثقافتهم عن سابق عمد وترصد، في حين تجدهم يعرفون كل صغيرة وكبيرة من أجوبة الفنانين وردود المبدعين، ويتناقشون في أبسط الأخطاء وأهون الطعون والتهم الموجهة للأفراد أو للأحزاب.

الجدير بالذكر في هذه الظاهرة هو عدم وجود أسباب أو مبررات لانسياق بعض المواقع الالكترونية والجرائد والمجلات والقنوات الفضائية وراء هذه الاهتمامات، أو للسعي خلف تحقيق رغبات أمثال هؤلاء المتابعين والمشاهدين والقراء على حساب الجميل من الثقافة والنافع من المعرفة والفكر، مع الاهتمام بترسيخ الثقافة المُواطِنة قبل الخوض في السجالات التافهة العقيمة أو الجدالات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وهذا وحده ما يكفل لنا على المدى الطويل وجود عقلیات موضوعية ومواطنة وواعية بحقوقها وبواجباتها وبالتزاماتها في المساهمة في تفعيل وفاعلية دورها التنموي، سواء في محيط الأسرة أو المجتمع.

والجدير بالملاحظة أن بعد حركة 20 فبراير والحركات الاحتجاجية الأخرى لم تُنْتِج لنا سوى مافيات من آكلي عقول البشر عبر كانيباليزم الإعلام، أيضا أخرجت من تحت الأرض مستحاثات بشرية كونت عصابات مافيوزية تحت-وطنية قياسا لما قاله ميرلوپونتي في إشارته إلى ما دون الإنسان. هم ما دون هذا الوطن ولا يمكن لفكرهم "إن كان لهم فكر" أن يكون في حجم هذا الوطن. إنه البؤس، بؤس غياب تدريس الفلسفة خاصة، وبؤس التعليم على العموم، والأخطر بؤس التدين القشري المستشري في المجتمع، هذا ما ينتظرنا كأفراد على وفي هذه البلاد.

أخيرا، على مواقع التسطيح والتفارق الاجتماعي تصبح مثل ضيف مدعو إلى أكبر حفل تنكري، كل صاحب صفحة أو حساب فيه يرتدي قناعا، فمنهم من يلبس قناع التقوى، ومن يرتدي قناع المحبة، ومن يضع قناع الثقافة، قناع الرجولة، قناع الصداقة، قناع المرح، قناع الحب. بعض هذه الأقنعة قد يكون صادقا وأخرى قد تخفي وجوها ذميمة، وقلوبا مريضة، حقودة، منافقة، وفي ذلك الحفل الطويل، عليك الحذر من الخداع بتلك الأقنعة، فيتحول حفلك إلى مأتم في حرب ذكية قيل عنها إنها من الجيل الخامس للحروب.

الإنسانية هي الحل.