الفواجع الوطنية.. بين مسؤولية الأفراد والمؤسسات

الفواجع الوطنية.. بين مسؤولية الأفراد والمؤسسات

بعد أخذ مسافة زمنية من بعض الفواجع الوطنية، كحادث اجوكاك الحوز وحادث احتراق الطفلة هبة بسيدي علال البحراوي وحادث ملعب تيزيرت إقليم تارودانت، يكون المتتبع قادرا على رؤية هذه المشاهد المؤلمة بأبعاد متعددة بعيدا عن الانفعال والعواطف الجياشة؛ وهو ما يعطي لرؤيته واقعية ومصداقية وقدرة على الاستنتاج.

إن العديد من الفواجع الوطنية الذي حظيت بمتابعة شعبية واسعة تضامنا واستهجانا وتحميلا للمسؤولية لهذا الطرف أو ذاك (وغالبا ما توجه أصابع الاتهام بالتقصير إلى أجهزة الدولة ومسؤوليها)، لا شك في أنها تسائلنا جميعا، أفرادا ومؤسسات، هذه المساءلة تنبني على الخلاصات والاستنتاجات التالية:

أولا: الفعل الإنساني تقصيرا وإهمالا، وعدم الاحتياط والتبصر، ظل حاضرا في أغلب هذه الحوادث المشار إليها أعلاه، وخاصة منها حوادث السيول والفيضانات، على الرغم من النشرات الانذارية إن تم الإعلان عنها قبلا، وكذا حوادث السير التي تخلف ضحايا بالعشرات بسبب التهور والسرعة المفرطة وعدم احترام القوانين، طبعا الى جانب غياب علامات الطريق أو التشوير والحالة السيئة للعديد من الطريق ... إلخ

ثانيا: ضمور الواجب المهني والإخلال بالمسؤولية المهنية والوطنية لدى العديد من منتسبي مؤسسات الدولة (دون تعميم طبعا)، يتجلى ذلك في التعامل مع الحوادث/ الفواجع على مستوى الزمن والمبادرة الآنية، والتدخل السريع والفعال.

ثالثا: التوزيع المجالي غير العادل لمراكز التدخل بمواردها البشرية والمادية الكافية (الوقاية المدنية / مستشفيات وأقسام مستعجلات بما تستلزمه من مداومة وأجهزة فحص وأشعة وأمصال ومختصين / مؤسسات أمنية بالنظر إلى الكثافة السكانية ونسبة الجريمة... إلخ).

رابعا: غياب خطة للطوارئ أو عدم الجاهزية، وعدم التنصيص عليها في دفتر التحملات الخاصة بالملفات التقنية لصفقات المشاريع الخاصة والعامة أو غياب المراقبة وغض الطرف من طرف بعض المسؤولين عن هذه المراقبة إن كان منصوصا عليها بسبب الارتشاء أو غيره.

خامسا: خلو البرامج التعليمية والاجتماعية من التدرب على خطط الإجلاء والتعامل مع الحوادث الفجائية للحد من تبعاتها المؤلمة.

سادسا: عدم المواكبة الجهوية والمحلية للنشرات التحذيرية المعلن عنها وطنيا بتوعية السلطات وفاعلي المجتمع المدني للمعنيين بها، لتفادي تنظيم بعض الأنشطة أو التنقل إلى المناطق المحتمل تعرضها لسيول وعواصف، إضافة إلى انعدام الثقافة المناخية ومخاطر تغير الطقس لدى عامة الشعب.

سابعا: استشراء ثقافة الاتهام للغير وتغييب للأنا الفردي (بمفهومه الأيجابي) وكذا الجمعي ودورهما في الحد من هذه الفواجع أو على الأقل التقليص من تبعاتها المؤلمة، على الرغم من الزخم الديني التعبدي والإنساني الذي تزخر به عقيدتنا الإسلامية الداعية إلى المبادرة والتضامن والحفاظ على الحياة وتقديم المساعدة للغير وأن المحافظة على الأبدان أولى من المحافظة على الأديان وتفريج الكرب ومسؤولية كل راع على رعيته... إلخ.

لا أدعي حصر كل الأسباب، كما لا أدعي استخلاص كل النتائج من الفواجع الوطنية التي هزت الرأي العام؛ ولكني أرى والله أعلم أن ما أوردته ويشاركني فيه أو سبقني إليه غيري لا شك في أنه سيقلص إلى حد كبير من هذه الفواجع، وسيخفف من وطأة هذه الأقدار الأليمة إلى أقدار محفوفة بالألطاف الإلهية، لأننا آنذاك سنكون قد أتينا ما أمكننا من الأسباب وعقلناها ثم توكلنا على الله.

التعازي القلبية والمواساة الصادقة لأهالي الضحايا، والدعاء بالرحمة والمغفرة والرضوان بمن أخذوا على حين غرة، فغادرونا إلى دار البقاء، داعين أهاليهم إلى الصبر الجميل والإيمان بقضاء الله وقدره مرددين معهم بقلوبنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.

*محرر قضائي بقسم قضاء الأسرة بابتدائية إنزكان