عقدان على اعتلاء العرش..

عقدان على اعتلاء العرش..

في الثلاثين يوليوز من كل عام، يحتفل الشعب المغربي قاطبة بعيد العرش المجيد، حيث تتزين الشوارع والمؤسسات والمحلات التجارية بالأعلام الوطنية والصور الملكية، وتقام الحفلات الشعبية والرسمية بمختلف المدن المغربية. لكنه عيد هذه السنة مختلف عن سابقيه، بحكم مصادفته لمرور عقدين من تربع الملك محمد السادس على عرش والده الراحل في 23 يوليوز 1999. وهو حدث حظي بزخم من المتابعة الإعلامية الواسعة، وجعل عدة شخصيات سياسية تستحضر بفخر ما شهدته البلاد من تطور. ترى ما هي أهم المحطات التي طبعت العشريتين الماضيتين من حكم ابن الحسن الثاني؟

فبحكمة ملك شاب وملهم، وقائد متبصر ومستنير، حريص على الانفتاح والتغيير، استطاع الملك محمد السادس أن يدرك منذ اعتلائه العرش مدى تعطش شعبه الأبي إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأبى إلا أن ينصهر بهمة في بناء مغرب مغاير، مغرب حداثي وديمقراطي، مغرب يتسع لكل أبنائه دون إقصاء أو تمييز. إذ لم يتأخر في القيام بسلسلة من الإصلاحات الدستورية والقانونية الجريئة وغير المسبوقة، متوخيا التأسيس لعهد جديد. ومن ثم رسم معالم طريق الإصلاح بإرساء قواعد نظام ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وسياسة الجهوية الموسعة واللامركزية، إقامة دولة الحق والقانون وحماية حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، تكريس الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، داعيا إلى المشاركة السياسية الشعبية الكثيفة، ومركزا اهتماماته على الفئات الأكثر فقرا وهشاشة في المجتمع.

ولرغبته الملحة في تحسين ظروف عيش المواطنين، لم يكن يذخر جهدا في محاولة النهوض بجميع مناحي الحياة العامة، معتمدا على قوة إرادته وخطاباته التي تشكل نموذجا يحتذى به في مجال التواصل مع المؤسسات الشعب، المتميزة بالوضوح والمصداقية والانفتاح والتفاعل مع هموم المواطن وانشغالاته، فضلا عما تحمله معها من تشخيص وانتقاد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقييم السياسات العمومية والتدبيرية، ومن رسائل وتوجيهات مباشرة إلى الفاعلين في الداخل والخارج. إذ قام إجراءبات في مختلف القطاعات، حيث أطلق عدة مبادرات ومشاريع تنموية وإصلاحات حقوقية وسياسية وقانونية وتشريعية وإدارية... سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها بإيجاز تام.

فخلال فترة توليه سدة الحكم، تمكن من خلق نظام حكم جديد ومختلف، مبني على الواقعية والجدية، وحرص على إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، بغرض محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، واضعا المواطن أساس الرهان التنموي بالبلاد. وبصفته أمير المؤمنين، بادر إلى إصلاح الحقل الديني لضمان حسن تدبيره، وحتى يكون في مستوى مواكبة متطلبات العصر والانسجام مع ثوابت الأمة، عبر إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى وهيئة الإفتاء وتحسين أحوال العلماء والأئمة وغيرهم، ومراجعة طرق ومناهج تكوين الأئمة وإشراك المرأة في مجال الإرشاد الديني والسماح لها لاحقا بولوج خطة العدالة لممارسة مهنة "عدل" إلى جانب شقيقها الرجل. كما سارع إلى إنهاء الصراع الذي كان محتدما بين الإسلاميين ودعاة الحداثة حول الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، بإصدار قانون مدونة الأسرة عام 2004 الذي يعزز دورها داخل الأسرة ويمتعها بحقوق إضافية. ولعل المحطة الأبرز هي تلك التي كشف فيها بوضوح وثقة بالنفس عن صدق نواياه في إحداث قطيعة مع العهد البائد، عبر إعفاء رجل النظام القوي وزير الداخلية الراحل ادريس البصري، الإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين، وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة قصد طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي حصلت في الفترة المسماة ب"سنوات الجمر والرصاص".

وفي إطار كل هذه الخطوات الإيجابية، لا ينبغي لنا أن نتغافل حفاظه الدائم على العلاقات الدولية وإيلاءه بالغ الأهمية للقضايا العربية والإفريقية والدولية، حيث لم يفرط يوما في رئاسته للجنة القدس ولا في دورها المركزي حيال حماية حقوق الشعب الفلسطيني. والعودة المظفرة إلى أحضان الأسرة الإفريقية الدافئة، معلنا بذلك عن انتصار حقيقي على خصوم وحدتنا الترابية، وإنهاء سياسة "الكرسي الفارغ" وما ترتب عنها من اختلالات، من خلال انتهاج دبلوماسية نشيطة في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية ذات الأبعاد الاستراتيجية.

لقد أحدث الملك ثورة تنموية هادئة قوامها الحس بالمسؤولية وروح المواطنة، مستغلا الإمكانات المادية والأمنية المتاحة، والموقع الجغرافي للبلاد وطبيعتها الخلابة، في استقطاب السياح والمستثمرين الأجانب، وهو ما ساهم في تحقيق عديد الإنجازات التي لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد وذو نظرة تشاؤمية. ألم يسهر طوال العشرين سنة من حكمه على تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان وتوسيع هامش حرية التعبير وإقرار دستور جديد، وإجراء أربعة انتخابات تشريعية، نزيهة وشفافة بشهادة مراقبين دوليين؟ ومن غيره أشرف على برنامج التسريع الصناعي واستراتيجية الطاقات المتجددة والاستثمارات الضخمة بالمناطق الجنوبية، فتح أوراش كبرى من أجل تعزيز البنيات التحتية، للطرق والموانئ والمطارات ودعم الزراعة والصناعة، كميناء طنجة المتوسط الذي أصبح الأكبر من نوعه في إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، تدشين القطار الفائق السرعة "البراق" الرابط بين مدينتي طنجة والدار البيضاء؟

وبالرغم مما تراكم من مكتسبات وإصلاحات، فإنها تبقى غير كافية في ظل وجود فوارق اجتماعية ومجالية صارخة، تعد من بين أكبر التحديات التي يطمح إلى رفعها بجانب إصلاح منظومتي التعليم والصحة وتقليص معدلات الفقر والأمية والبطالة، من خلال نموذج تنموي جديد يعهد بوضعه إلى لجنة من الكفاءات الشابة خارج الحكومة. هل تستخلص النخب السياسية والمسؤولون والحكومات المتعاقبة العبر والدروس؟