مُروّضو الحياة

مُروّضو الحياة

إذا كان من عجب في هذه الحياة، فإني أعجب لهؤلاء الذين "يؤثثون" حياتنا، ويجعلونها مشهدا قابلا للتصديق، ويمدّون الآخرين بجرعة مقاومة وإصرار على البقاء. أبطال حقيقيون يُصارعون الحياة، وقد أنشبت أظافرها في أعناقهم، فلا يقابلونها بغير الابتسام وكثير من عدم المبالاة، فلا يلقون لها بالا، ولا يكترثون لحبائلها وألغامها المنتشرة.

مآسيهم عميقة، غائرةٌ جراحها، ودوامة الحياة تدور بهم دورانا عنيفا، فلا تبقيهم على حال، تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ولو ذاق غيرهم معشار ما يذوقون لأنهَوا حياتهم في التو والحين، اكتئابا وكمدا، ولأصيبوا بالمس والجنون.

أناسي ليسوا بالغر ولا السذّج، خبروا الحياة كما لم يخبرها بعض "التوافه" ذوي التفكير الضحل والأماني. عصروا الحياة فعصرتهم، واستقطروا منها رحيق الحكمة ونسغ المران، وذاقوا شهد التجارب المخبوء في قفير الجبال، لا يصله إلا الرجال.

يعرفون أن هذه الحياة، عندما تجافي أحدا، فلا سبيل إلى استرضائها، غانية تغادر بالليل قبل أي يفيق صاحب البيت... ويعرفون أن شهاب الحظ لمّا تنزل فوق بيوتهم، وأن زائر الجد التف ودار حول باب دارهم.

فإن كانت من حسنة واحدة لشظف العيش، فهي تلك التي تجعل من رجال يأكلون من لحمهم ويكملون السير، مجرّدين من كل شيء، إلا من إصرارهم العنيد على عيش الحياة، لا كما يريدون، ولكن كما تريد لهم الحياة.

لا تغطية صحية، ولا تأمين، ولا تقاعد ولا تعاضد ولا نقابة، ولا حساب مصرفيا... وغيرها من الدروع والتروس التي يحتمي بها الناس الآخرون، المزنّرون بترسانات كاملة من الوسادات الهوائية، وصناديق الاحتياط، وأصحاب الأرصدة المبثوثة هنا وهنالك (تنوعت بضائع التأمين، فامتدت لتشمل التأمين ضد الاكتئاب والعقم وتقلب المزاج والحظ العاثر...) لا شيء من ذلك كله، إلا إيمانهم بأن بالحياة غدرت بهم، ولم تمنحهم ما تمنحه للآخرين، وقابلوها بجلَد المصلوبين.

على أسارير الوجه، وفي نفَس السجائر السوداء، تكمن الحكاية كلها. ومع كل زفرة ينفثون يسخرون من الحياة، كما لم تسخر منهم. قست عليهم وقابلوها بالازدراء، لا يهابون المرض والعيلة والمخمصة، فهم أصحابها ومروّضوها.

فبأي قوة يواجه طالب العيش (طالب معاشو النبيل) حِمم الحياة اللاهبة؟ وأي أحلام يتوسد؟ وما حجم الصبر الذي يحتاجه "صاحب الموقف" متطلعا إلى الذي يأتي ولا يأتي؟ وما حجم الأمل الذي تُبقيه الأرملة الملقاة في غيهب الواقع وأطفالها الأربعة؟ لا سكن ولا معيل ولا لقمة ولا يد حانية؟...