الحفلة المدرسية.. مظهر للنجاح أم تجل للفشل؟

الحفلة المدرسية.. مظهر للنجاح أم تجل للفشل؟

تعد الحفلة المدرسية لحظة تربوية تتيح الفرصة للمدرسة والأستاذ والتلميذ لإبراز المجهودات التي بذلت خلال الموسم الدراسي، وما راكمه التلميذ على المستوى المعرفي، وما أجاده على المستوى المهاري، بتثمين جهد التلميذ (ة) عامة، والمتفوق خاصة، وكذا الاعتراف بعطاءات الأستاذ (ة) وتكريمه، والإشادة بدوره.

أهمية الأنشطة في الحياة المدرسية:

كما أنها محطة لبسط حصيلة الأنشطة الموازية، وخصوصا الفنية منها التي تعد اليوم مكونا أساسيا للحياة المدرسية تضخ فيها دماء الحيوية والتعلم المرح، وتسمها بالجودة والفعالية. هذه الفعاليات الثقافية والفنية والرياضة بغيابها تفقد المدرسة والتعليم الحياة والمتعة، وبالتالي الفاعلية والرسوخ المطلوب، وأيضا الجاذبية وإثارة الدافعية للتعلم. وتحل بدل كل ذلك الرتابة والملل والتذمر، وهي عوامل كافية لجعل التعليم والتعلم صيحة في واد، لا يفيد في شيء الأولاد، بمجرد ذكر المدرسة، يطلقون سيلا من النكت والتهكم على خدماتها، كما تغدو بالنسبة لهم كابوسا يقلق مضجعهم كلما تذكروا طقوسها الجنائزية، وحان موعد دق جرسها المرعب.

الرسالة التربوية للحفلة المدرسية:

إن الحفلة التي تستحق نعت المدرسية هي تلك التي حازت واجتمعت لها من الأوصاف والقيم ما المدرسة جديرة به، من قيم جمالية وتربوية وثقافية، ليست نشازا عما تصبو إليه من تنشئة اجتماعية قائمة على توابث الأمة، تُؤهل المواطن ليكون عنصرا بناء خلقيا وفكريا في مسيرة مجتمعه التنموية، بتعزيز روح الابتكار والإبداع، وإتاحة الفرصة له طفلا ويافعا لإبراز طاقاته ومواهبه التي تم صقلها طيلة الموسم الدراسي تحت إشراف طاقم تربوي، المُسدد بالبيداغوجية والغيرة الوطنية، الأمين على أخلاق الناس بالدرس العلمي والمعرفي، كما بالنشاط الفني والرياضي.

فخشبة الحفلة والفصل الدراسي كلاهما وجهان لعملة واحدة: هي التربية وتأهيل الفرد علميا ووجدانيا. والحفلة بهذا هي دعوة الآخرين للانخراط في هذا المسلسل القيمي والجمالي، في قالب فني وترفيهي، حينما يكون بطله التلميذ (ة) والأستاذ (ة)، أخذا وعطاء، يمنحان الأمل، ويحفزان الآخرين لاقتفاء أثرهما، يقدمان فرجة بديلة عن تلك التي تغزو الشاشات الذاهبة بالألباب إلى قاع لا قرار له بما بلغته من الضحالة والابتذال، المغذية للعدوانية والعنف الذي لم تسلم من ويلاته فضاء المدرسة ومحيطها. فرجة تعلي من شأن الإنسان، وتشيد بطاقاته الخلاقة، بفطرية وعفوية هما أجمل من كل طلاء يمكن أن يعلو سماحة براءته. حفلة هذه مواصفاتها تستحق أن يُنفق الجهد في الإعداد لها، والوقت في متابعة فقراتها، والإشادة بها سرا وعلنا وعلى مختلف الصُعد، الافتراضية منها والواقعية، ما دامت من الطفل إلى الطفل، حيث تمنح له الفرصة ليقول ها أنا ذا. وإن تعثر ولم يرق إلى احترافية الفنان، فـ"الخطأ هو التوأم السيامي للعمل، إنهما كيانان لا ينفصلان، فمن يعمل يجب أن يخطئ ويتعثر"، (عبد الله الملغوث).

الهواجس التسويقية والإشهارية للحفلات المدرسية:

إن تدافع المؤسسات التربوية والسباق المحموم بينها نحو كسب ود الآباء جعلا البعض منها يُغلب منطق السوق والماركوتينغ التجاري على حساب الرسالة التربوية التي تستمد منها مبرر ومشروعية وجودها، وأصبح أمر تنظيم الحفلة يوكل إلى عناصر غريبة عن الجسم التربوي تخصصت في إحداث أكبر قدر من "الضجيج المنظم" في فضاء تكدست فيه الأصوات والأضواء، فضاء يمطر رواده بوابل من المفرقعات والشهب المثيرة لنباهة الصغار وإعجاب الكبار وإن أفل نور العلم وتوارت فضيلة الأخلاق على خشبة هي مجال لاستعراض ألوان من الزينة، وضروب من الأزياء يتدثر بها أطفال يتراقصون على أنغام لم يُشركوا في إبداع نغماتها واختيار ألحانها، تنبعث من آلة أُعدت في الأصل لإحياء الأعراس وما على شاكلتها من المناسبات المتحررة من كل قيد، لأن الأمر يتعلق بإظهار الفرح وإعلان اكتمال الوجود، تدخل في الضرورات المبيحة للمحظورات، لما تتضمنه من أهازيج شعبية غير منضبطة كلماتها قيميا، تثير الأبدان أكثر مما تثيره من نبل الأحاسيس والوجدان الفاقدة لجمالية الإلقاء والتلقي، مع الحرص على توثيق اللحظة بالصور، وإخراجها في أبهى حلة تليق بعرضها على أوسع نطاق لحصد المزيد من الإعجاب وتعاليق المجاملة والمحاباة، وحذف من ينكر عليهم سوء الفعل والمقال.

ولترجيح كفة الأولى قبل التنزيل، يتم تقديم أبناء الحظوة الافتراضية والأقلام الإعلامية، والمناصب السامية، وإبرازهم أمام الأنظار، ومنح الميكرفون للكبار ولمن يُرجى خدماتهم للإسراف في الكلام واستعراض المنجزات المنعدمة في الميدان. كل واحد يرسل سهامه إلى جهات يعنيها، ممتطيا مصلحة التلميذ ورسالة التعليم جسرا يغرف من الماء تحته ما يلمع به الصورة ويستقطب الأنصار لموسم الانتخاب وجني الثمار. فيخبو معها صوت الفاعل التربوي، ويعلو صوت الفاعل السياسي والنقابي والجمعوي والارتزاقي... ويركب موجة الألفاظ بعض ممن لقنوا عن ظهر قلب فن القول من الأطفال، بشتى اللغات، كعلامة امتياز، حتى يخيل للجمهور أن اللغات حية بين البنين والبنات، وهو يعلم علم اليقين أن ابنه فاقد للغة الأجداد، وحظه مُعدم من لغة الأسياد. ورغم ذلك يستسيغ ويستهلك هذا العبث إرضاء لخاطر ابنه، أو مجاملة لمن قدم له دعوة الحضور في بطاقة متقنة وبديعة الإخراج، أو طمعا في كسب ود صاحب من يُلقي البيان. والباقي نساء يقضين جزء من المساء استراحة من تعب الصباح لقلة فضاءات الاسترخاء، انتظارا لإعداد وجبة العشاء.

خاتمة:

"إن عزيمة تتعثر في طريق الخير غير عزيمة استحكمت في طريق الشر"، والرسالة التربوية لا تنهض إلا على أكتاف أولي العزم من الأطر التربويين الذين لا يفصلون المضامين المعرفية عن المسلكيات الأخلاقية، يؤمنون بلا انفصامية الفعل التربوي. وكل موقف هو لحظة تربوية لبناء قيمة، أو فرصة لتقويمها وتعزيزها، إيمانا بأن فعالية العمل البيداغوجي يقوم على استغلال العثرات والأخطاء لتجاوزها في مضمار الحياة الذي نعد هذه الأجيال لتكسب رهانه بنجاح، في الهزل كما في الجد.