نجوى رحيل الدكتور مولاي الحسين ألحيان رحمه الله

نجوى رحيل الدكتور مولاي الحسين ألحيان رحمه الله

هذه السنون تمضي حثيثة، وهذه أعمارنا تطوى معها ذاهبة في غير رجعة، كل شيء يتغير من حولي، حتى شخصي الذي كنت أعرفه أصبحت اليوم أنكره، كل شيء في الحياة قد آل إلى قانون جديد ووضع جديد؛ سوى ذكراك سيدي فإنها ماثلة أمامي أبد الدهر لا تتغير ولا تتبدل...

ذكرى أيام عطرة قضى الله في الأزل أن تجمعني بك، فكانت من أطيب أيام عمري، فليت شعري هل من سبيل لأشتم عبق هاتيك الأيام؟ قد كان -والله- لصحبتك علي فضل كبير وبركات كثيرة لا أنساها ما حييت، وهل أنا لئيم أثيم حتى أنسى فضلك علي أو أجحده؟.

وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا *** سوى أنني بالعامريـــــــة مغــــــــرم

سيدي!! إني أكتب هذه الكلمات تأدية لواجب أو بعض واجب أراني قد حملته، واعترافا بحق التلمذة والتربية والتوجيه، لكن ماذا تغنيك شهادتي وأنت المعلم والمربي والأستاذ... إذا قسوت قسوت لترحم، وإذا غضبت غضبت لتحنو...

سيدي!! منك تعلمنا أن الحياة موقف وجهاد وبطولة، وأن قيمتها بالأعمال الصالحة المخلصة المتقنة، لا بطول الأعمار ولا بالحظوظ ولا بالمناصب ولا بالأموال و... وماذا؟ ولا بالتسلط والعجرفة...!.

سيدي!! إني أعرفك رجلا شهما غيورا مصلحا متواضعا لا تنبطح لعبادة الأوثان؛ أوثان المناصب والكراسي التي ابتلي بها كثير من أبناء هذا الزمان، رجلا لا يستزله الشيطان بما عنده من نعمة، فلا يظلم أحدا، ولا يحابي أحدا ((ولو كانوا أولي قربى)).

طينة نادرة ومعدن نفيس ذاك الذي سويت منه، فقد كنت صاحب همة لا تعرف الملل، وصاحب عمل دؤوب لا يمس بالكلل، كم كنت صابرا محتسبا وأنت سامر ساهر معتكف على قراءة بحوث طلبتك وعروضهم وتصحيحها نقطة نقطة وفاصلة فاصلة، فرضي الله عنك؛ من ذا الذي يقدر على تلك التضحيات، من ذا الذي يسترخص راحته وعافيته في سبيل العلم والمعرفة والتعليم غير رجل امتزجت روحه بالتفاني والإيثار.

لقد كنت تحب طلبتك حبا جما فأحبوك، وكنت تتمنى أن تراهم فرسانا في ميادين العلم والمعرفة والبحث متسلحين بالعزم والحزم والإرادة، وتأمل أن تراهم يوما قد حمل كل واحد منهم المشعل فانطلق غير ملتفت ولا مكترث، سجية منك ونية صادقة، أفيخيب الله أملك؟ كلا! لا يخزيك الله أبدا، ألم تكن تشرح لهم وتنصح، وكنت تسأل عنهم جميعا؛ الفقير والمريض والغائب: ماذا دهاهم؟ وتسأل ما الذي قرأوه واستفادوه؟ وكنت وكنت...

سيدي!! إني لا أنسى أبدا يوم كنت أحسب أن البحث العلمي مجرد عجن ولت وتحوير، ومجرد إنشاء في الكلام وإغراب وتقعر في الألفاظ، لا بل كنت أظنه تملقا وتحذلقا وجعجعة تثير النقع بلا طائل، فعلمتنا رحمك الله أن البحث العلمي ليست له سوى حقيقة واحدة، هي: الصبر والأناة والقراءة والتتبع والاستقراء والتأمل والاستنتاج.

أقلـــــــــوا عليهم لا أبـــــــا لأبيكـــــم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

سيدي!! ها أنت قد أفضيت اليوم إلى ربك راضيا مرضيا، فرحا جذلا بلقائه، مؤمنا بما زينه في قلبك من صدق النية وإتقان العمل والتفاني وحب الخير وسوى ذلك من المحاميد التي سيبقى أثرها مخلدا مقرونا بذكراك وذكرك كلما ذكرك الذاكرون.

ومن يدري لعلنا نحن الموتى فلا نشعر، وأنتم الأحياء ولا نعلم، يقولون: إن الحياة وجود، أجل! هي وجود، لكنه وجود لا حقيقة له ولا قيمة، فدار مآلها الفناء فناء، ((وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)).

إن الحر الشريف إذا جاء أجله لا يموت منه إلا العنصر المادي الترابي؛ الذي يعود إلى أصله ومادته في الأرض، وأما روحه المعنوية فتبقى حية خالدة بين الناس؛ ذكرا طيبا وقوة متحركة ونورا يهتدى به، فأنت هناك في قبرك -بحقيقتك الخالدة التي لا تتغير ولا تتبدل- تزداد صفاء وجلاء، ونحن هاهنا بحقيقتنا الفانية التي تتبدل وتتلون في كل وقت وحين، ولا نزداد إلا سوءا ومكرا ونفاقا.

سيدي!! لقد رحلت وتركت من خلفك فتنة مستعرة وحربا ضروسا في التهارش على حطام الدنيا الدنية بكل وسيلة وبأي حيلة، فتنة أوقد الأسياد نارها فعمت وطمت، فلا تجد إلا غويا قد باع آخرته بدنياه، أو مفتونا مرتزقا قد نصب شركه فهو يتصيد بما آتاه الله من العلم والحكمة.

قوم افتتنوا بالمناصب والكراسي، وأشربوا في قلوبهم الأموال، واغتروا بما خُلع عليهم من هذه الألقاب الفخمة الرنانة الجوفاء، وأعجبوا بأناقة المعاطف والطرابيش وتصويب الهيئات... تفضي إلى أحدهم بحق لك في حاجة تريد أن تأخذه، فيمضي كالفرس الجموح المندفع في غلوائه لا يكترث.

ولعمري ما أدري بأي شرع يدينون، ولا لأي عقل يحتكمون، يعظون الناس فلا يتعظون، ويحرمون الكذب ويكذبون، ويحذرون من الفسق ثم يفسقون، ويعرفون معرة كل الآثام فلا يتركون منها شيئا إلا ويغشونه.

سيدي!! كأني بك يوم فارقتنا قد خيرت بين البقاء هاهنا فتعيش هذه المنكرات، وتقترف من هذه الآثام والموبقات، وبين الرحيل واللحاق بالصفوة الأخيار في جنات الخلد عند مليك مقتدر، فاخترت أن ترحل، ولم ترض حياة الذلة والوحل.

ولقد رحلت عنا في ذات السنة التي رحل فيها فارس رباني آخر؛ شيخ العروبة والإسلام السيد الأجل الأنبل فريد الأنصاري رحمه الله، ولم يفصل بينكما سوى أشهر معدودات، فلكأنكما على ميعاد من هذا الرحيل تقتسمان أفراحه وأتراحه.

وقد روينا في الأثر عن سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: "إن من أشراط الساعة أو اقتراب الساعة أن يأتي الموت خياركم، فيلتقطهم كما يلتقط أحدكم أطاييب الرطب من الطبق"، فاللهم أحيينا ما دامت الحياة خيرا لنا، وتوفنا إن كانت الوفاة خيرا لنا.

سيدي!! إنك إن فارقتنا بجسمك وشخصك، فإن حبك قد حل في قلوبنا السويداء، وهذه آثارك الطيبة التي خلفت -علما ومنهجا وأخلاقا- عليها نغدو ونروح.

فما مات من أبقى ثناء مخلدا *** وما عاش من قد عاش عيشا مذمما

سيدي!! ها أنا ذا أقف لك وقوف تجلة وتقدير اعترافا بجميلك وتقديرا لفضلك علي، وحري بكل تلامذتك ومعارفك أن يعترفوا بهذا الفضل ويردوا إليك هذا الجميل، أقف متضرعا مبتهلا لأترحم على روحك الطاهرة، وأستسقي لها من فيض المغفرة والرضوان...

فلتنم سيدي قرير العين مرتاح الضمير، بعد إذ أديت رسالتك لم تغش ولم تخن ولم تبدل، ((وما عند الله خير وأبقى...)).

رحم الله شيخنا وبرد مضجعه، ورحم بفضله ومنه آباءنا وأمهاتنا وكل من له الفضل علينا، إنه سميع مجيب. آمين آمين...

ملاحظة:

قد كان من حق هذه الكلمة أن تنشر ساعة وفاة أستاذنا الدكتور ألحيان رحمه الله، غير أن قدرا سبق في علم الله فحال دون ذلك حتى جاء هذا اليوم فكتب الله أن تخرج فيه إلى الناس، فهذه سنوات خلت، وهي محفوظة في زاوية شبه مهجورة من مكتبتي الصغيرة ضمن أوراق قديمة كنت أقيد فيها فوائد ومعلومات في مواضيع مختلفة؛ كلما بدأت موضوعا إلا وتركته حتى أنساه في غمرة من مشاكل الحياة وتقلباتها، وبينما أنا أقلب هذه الأوراق وأنفض عنها الغبار إذ وجدت في بعضها هذه الكلمة التي كنت بدأتها بعدما بلغني نعي شيخنا رحمه الله، ولم يتيسر أن أكملها إلا اليوم، فاللهم لك الحمد والشكر والمنة.