أقنوم التطهر (نشيد الحياة)

أقنوم التطهر (نشيد الحياة)

هنالك، وراء القمة العالية، يعصر الجبل الماء، ويتسرّب الناس من بين شقوق الصخر. فيذهب الغثاء وما ينفع الناس يبقى منتصبا لا تذروه الريح. وراء الجبل يقتفي الناس الماء الأحمر والجوز والبطاطا وسمك البوري ويلتقطون النيازك الملتهبة، ويسيرون فوق ماء البحيرة التي كانت زرقاء. هناك أيضا يكتشفون رجولتهم وينثرون تفاهتهم. هناك يتطهر الناس أو يتدنسون.

على ربوة النسيان والهذيان، وراء القمة العالية "تُنسى" كأنك كائن، وتُلقى كأنك لم تكن. أرادوا أن يجعلوا من الآدميين دراويش أو متصوفين أو مجانين، فألقوا بهم في تخوم هذا الأقنوم، لعلهم يتلمسون طريقهم راجعين إلى إنسانيتهم وآدميتهم. فيدور الدرويش حول جُبّته، ويدور المنسي حول نفسه، كلاهما يدور، واحد للحلول والآخر للجنون. المخلاة في العنق وظلام الأفق يغشي المُؤق.

في هذه الفلاة، بنوْا معبدا، فيه تُنسج مصائر الناس، وتُقتطع من أعمارهم أجزاء كبيرة وليست باليسيرة، ويُعطى لكل واحد مقدار الجرعة التي تُناسبه حتى يتطهر من الدنس ورجز الحياة.

معبد من الشمامسة والرهبان والقسيسين، يرأسهم الكاهن الكبير، ذو النظارات المعتمة، والبصيرة العمياء. يحرك الكاهن سبابة حوارييه، فيُلقى بالمريدين على درب التطهر، وتقطير النفس، حتى تخلص نفس المريد، وتضحي خالصة لا تشوبها شائبة، ويرتد إلى نفسه، يتلمس مخرج الإيمان.

يَحمل المؤمنون ألواحهم وأناجيلهم وصُحفهم وآياتهم، وينثرونها في الأديرة البعيدة القاصية، هناك يعكفون ويعتكفون، وبين كل دير ودير، سبعون حولا، حبوا ومشيا وهرولة وتسلقا.

في الأديرة المُبعدة، فوق سقف الأرض، يُرمم الرهبان الجدد القدامى حياتهم أو ما بقي من حياتهم، ويُلقون عن قلوبهم ذرات الحياة الفاسدة، ويقنعون بنَفَسهم رمقا للعيش والبقاء، يشهقون ويزفرون ويُلقمون الرغيف المتكسر ويتجرعون الخواء والهواء، يشيدون بأنفسهم أديرة بالدسر والخشب الصدئ.

يقعد الكاهن في المعبد ـ محاطا بالشمامسةـ مثل إله صغير تافه، يوزع المريدين على الأديرة مقابل صكوك موقعة، كلٌ ودرجته على سلم المحاباة والإيمان، يقرر في حياة الناس يُحييهم ويميتهم تماما مثلما فعل النمرود. كانت أحبّ القرارات إلى نفسه أن يأمر بصلب أحدهم، فيبقيه معلّقا حتى ينساه النسيان، وكان ينتشي لمّا يأتي أحدٌ من الشمامسة بخطة جهنمية لم تخطر على بال جني.

أما والوقت غير الوقت، فلم يبق من الهيكل غير الأثر، خرَف الكاهن ودوى، وخرّ الشمامسة واندثروا وخنسوا مثل أي شيطان مهزوم، دسّوا صلبانهم في أكمامهم العطنة، وهم اليوم يدحرجون روثهم ويصلبون أنفسهم، ولا يخرجون إلا ليلا كالخفافيش الموبوءة، و"يحسبون كل صيحة عليهم".

كتبنا هذا ثأرا لأنفسنا، ونكاية في كل الذين أرادوا لنا أن نموت، فحيينا وطواهم الموت والنسي، أرادوا أن يُصغّروننا فكبرنا، وخرجنا من تحت اللوح المسمّر، وعطفا على كل الذين آثروا الشقوق يعيشون داخلها كالدويبات المرعوبة، يخافون أنفسهم ويخافون ضوء الشمس.