تأزم ملف الأساتذة المتعاقدين، مسؤولية من؟

تأزم ملف الأساتذة المتعاقدين، مسؤولية من؟

يفرض النقاش حول أزمة التعاقد بين الأساتذة وبين وزارة التربية الوطنية تأملاً كثيراً وجهدا في التحليل والتفكيك، وجهداً أكبر في فهم كافة أبعاد هذا الصّدع الذي أصاب المدرسة المغربية. كما يفرز هذا التأزم عددا من الاحتقانات، التي لا تتوفر الدولة في شخص حكومتها على حلول واضحة وتقنية لها.

ولا بد في هذا الباب من العودة الموضوعية والمتجردة إلى كرونولوجية الأزمة، منذ بداياتها مروراً بلحظات انفراجها وتوترها، حتى تُتَحمّل المسؤوليات ويعطى لكل ذي حق حقه، إذ إن أزمة من هذا النوع تشلّ قطاعا حيويا كقطاع التعليم لا يمكن المرور عليها مرور الكرام بدعوىَ أنها لا تمسّنا بشكل مباشر؛ بل ينبغي الوقوف عندها والاهتمام بها أكثر من اهتمامنا بأزمات الجيران وحروب أقاليم الشرق الأوسط التي لا علاقة لنا بها بالفعل.

إن أزمة التعاقد لا يمكن تلخيصها في منطق الردّة الذي تعامل به الأساتذة مع فلسفة التعاقد، حيث وافقوا في أول الأمر على الفكرة المبدئية وانخرطوا في هذا الورش مساهمين في نجاحه مقرّين بشرعيته، ثم عادوا مؤخراً لينقلبوا عليه مع استصدار الدولة في شخص وزارة التربية والتكوين لملحق التعاقد رافضين توقعيه، عائدين إلى الإضراب وشلّ حركة المدارس في حركة احتجاجية ثانية تتبع الأولى الرافضة للتعاقد والمطالبة بالإدماج.

وحيث إن هاته الأزمة ما زالت قائمة، فلا بد من تحديد المسؤوليات، حسب جسامتها وضخامتها، بكل وطنية وتجرد، بلا عاطفية وبلا إجحاف، ودون التطبيل للدولة ولا الانحياز إلى السادة الأساتذة. وهنا يمكن، حسب تقديرنا المتواضع، أن نقسم المسؤوليات إلى ما يأتي:

مسؤولية الدولة :

إن مسؤولية الدولة السياسية قائمة في هذا الملف، خصوصا في اختيارها للتعاقد كحل لإشكالية الخصاص في مجموع الأساتذة، خصوصاً بعد اختيار هيكلي شابه ما شابه من النواقص والعيوب؛ كالمغادرة الطوعية التي اعتمدتها الحكومات السابقة، كفرصة لتسريح أكبر عدد من الموظفين وتخفيف الثقل على صناديق التقاعد وخزائن الدولة.

وهنا لا أرى شخصياً كيف لحل كالتعاقد أن يرفع من جودة التعليم، خاصة أننا سنجد أنفسنا أمام نوعين من الأساتذة صنف متعاقد وصنف موظف؛ ما يعني بشكل آلي إنتاج صنف مستقر وصنف آخر غير مستقر، خصوصاً مع الطريقة التي تعامل بها الأساتذة المتعاقدون مع هذا التوجه الإستراتيجي الضخم الذي لم تكلّف الدولة نفسها عناء شرحه وتوضيحه للمواطنين، خاصة أنه يدخل في إطار عملية طويلة الأمد ستصل في النهاية إلى نموذج جهوي رائد في تدبير الموارد المالية والبشرية تقوده الأكاديميات وتدبره حسب حاجياتها.

إن هذا الغياب الذي تسجله الدولة في الرأي العام الوطني في خصوص هذا الملف، اللهم من بعض التصريحات الارتجالية، يخلق إشكالا تواصلياً يسهم في تعميق هوة الأزمة ويحفّز مفعولاً عكسياً لكل مساعي الدولة في إقناع المواطنين والأساتذة باختيار حكومي كمشروع التعاقد.

أما من حيث التنزيل فلا أظن أن الدولة كانت ناجحة في تسويق هذا الاختيار، خصوصاً مع إدماج هذا العدد الكبير من الأساتذة المتعاقدين في النسيج التربوي للمدارس في إغفال تام لمنطق الكفاءة والاستحقاق؛ وهو ما يتضح جلياً في الحركات الجماعية للاحتجاج التي يقودها هؤلاء المتعاقدون، والتي تطرح سؤالاً ضخماً في خصوص الطريقة التي يدبرونها بها عن مدىَ قدرة هؤلاء على ممارسة فعل نبيل كالتعليم، وهم فاشلون حتى في التواصل البسيط مع الناس وإقناعهم بمشروعية مطالبهم وحصد تعاطفهم وعن مدىَ جدية الدولة في تدبير مباريات التعاقد وتدبير مباريات الانتقاء.

ومن وجهة نظر اقتصادية، فأظن أن الدولة مخيرة بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن تتوجه بشكل تام نحو الاختيارات العمومية وتدافع بشكل تام عن المدرسة العمومية، التي لا مجال أمامها لتعليم خاص، حيث يكون بها الأساتذة موظفين بموجب قانون الوظيفة العمومية، وماليتها تستخلص من مالية الدولة بشكل مباشر، وإما أن تتوجه الدولة نحو نموذج مخوصص يفرض فيه السوق نفسه ويكون فيه المجال مفتوحاً على مصراعيه للمنافسة، بتوجه وطني راسخ وبخلفية ثقافية تنهل من التنوع الثقافي الوطني، وبترسانة قانونية قوية تحمي المتمدرس والمدرّس والمدرسة. وهنا لا أرى أفضل من إخضاع التعليم لخوصصة تدريجية ترافقها إجراءات اجتماعية واقتصادية وسياسية تقوي القدرة الشرائية للمواطنين وتشجع على خلق الثورة وتحمي تنافسية السوق مع ترسانة قانونية صارمة وجادّة تحمي موظفي هذا القطاع من كل أشكال التعسّف واللااستقرار.

مسؤولية الأساتذة المتعاقدين

إن الأزمة الحاصلة اليوم بين الدولة وبين الأساتذة المتعاقدين، بالإضافة إلى ما ذكرناه، هي أزمة تواصل أولا قبل أن تكون أزمة اجتماعية مقرونة بمطالب قانونية، مشروعة ودستورية، يحميها القانون المغربي والدستور كما تحميها المواثيق الدولية؛ فلا يمكن لأحد اليوم أن يمنع هؤلاء من الاحتجاج على الدولة، سواء اتفقنا معهم أم لم نتفق.. لكن في المقابل، فالنهج الذي نهجه السادة الأساتذة في تدبير هذا الملف المطلبي الاحتجاجي، من خلال التنسيقية الوطنية، لا أظن أنه سيعطي نتيجة ما أو سيفضي إلى انفراج؛ فالنزوح إلى منطق المواجهة والعصيان والاعتصام في مقابل الحوار والإضراب المشروع عن العمل والاحتجاج بالأشكال الحضارية التي يكفلها القانون والتي لا تمس بالسير العام للطرقات والإدارات والحركة الاقتصادية والمالية والتجارية الطبيعية للأسواق والساحات حتما هو اختيار لا يمكن أن يشكل حلاً أو جزء حل لهاته الأزمة التي صارت تشكل مشكلاً حقيقيا وتكبّد خسائر كبيرة للعملية التعليمية التعلمية، والتي لا يتضرر منها أحد سوى الأساتذة والتلاميذ.

مسؤولية النخبة والإعلام الوطني

تفرض هاته الأزمة، كما كل الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يمر منها المغرب بشكل دوري على غرار باقي بلدان العالم، سؤالاً ضخماً عن مدىَ قدرة النخبة المثقفة الوطنية على مسايرة النقاش العمومي، وإفراز التوصيات وإعادة صياغة الرغبة الشعبية بشكل تفهمه الدولة وتتفاعل معه، إذ إن هذا هو الدور الحقيقي للنخبة؛ لكن وبدل أن تنكب نخبتنا المثقفة من أكاديميين وخبراء وأساتذة جامعيين وفاعلين ثقافيين واقتصاديين على التقاط الإشارات الاجتماعية من الشارع وتوجيهها إلى الدولة ومشاركتها في تدبير الأزمات، تتفرغ لتحليل المستجدات الدولية وأزمات الجيران ونقاشات الصالونات الفكرية والأدبية التي لا تلامس الانشغالات الحقيقية للشارع ولا تساير نبض الحركات الاجتماعية التي تتنوع فئاتها وأسباب ظهورها في غياب تام لدور المثقف والإعلامي الوطني الذي ينشغل بدوره في أمور تبدو له أهم كحفل زفاف أحدهم مثلاً والتي يهتم لها الناس أكثر من ملف اجتماعي يزيد احتقانه يوماً عن يوم.

إن مشكل التعاقد بالمغرب يفرض نقاشا وطنياً، يطرح فيه السؤال حول كافة جوانب هاته الأزمة، وتستصدر فيه التوصيات وتتدخل فيه كافة الحركات الحية والهيئات والمؤسسات الوطنية التي لها علاقة بالتعليم والمدرسة. كما أن هذا المشكل لا يحتاج اعتمادا كبيراً على المقاربة الأمنية التي تجد فيها مؤسسة الأمن نفسها طرفاً في صراعات لا علاقة لها بها، الصراعات التي كان من المفروض أن تحلل وتفكك قبل خروجها إلى الشارع ودون أن تؤدي إلى أي مواجهات بين أبناء الوطن الواحد بسبب سوء تقدير رجل السياسة وغياب دور المثقف وفشل المؤسسات الوسيطة في قيادة النقاش العمومي حال الأزمات نحو النقاش والانفراج.