وهم الموضوعية أم موضوعية الوهم!

وهم الموضوعية أم موضوعية الوهم!

في غياب الحذر، يستسلم عدد كبير من المغاربة لرغباتهم أكثر بكثير مما يعتقدون، فتكون النتيجة الوقوع تحت سيطرة الأحكام المسبقة والصور النمطية والإجحاف في أحكامهم على الأفراد والأفكار والمواقف والاختيارات والأشياء دون دراسة أو علم.

هذا عن الراغبين في البحث عن نزاهة وشفافية التقييم، أما الزاهدون في الموضوعية الراضون بالوقوع في سوء الفهم والبلبلة، فهؤلاء لا جدوى برميهم بسهام تحريك وعيهم لأنهم يرتكبون، مع سبق الإصرار والترصد، حماقة الهجوم والعدوان.

إن الملاحظ لسلوك وتصرفات بعض الأفراد يستنتج أن أحكامهم على الأفراد والأفكار والمواقف والاختيارات والأشياء مرتبطة بحالات السخط والرضا، فهم يسبون ويذمون إذا صاروا حانقين وغاضبين: ما كانوا يمدحونه لوقت قريب وهم راضون، وهذه هي المزاجية والظلم، وهذا هو التناقض المحض والابتعاد والبعد عن الموضوعية.

الأخطر في الحالة هذه أن الذم والقدح والسب في أحكامهم على بعضهم البعض ليس بشيء استثنائي ولكنه سلوك نمطي مألوف، فالأفراد لا يشعرون بحرج في تكرار ارتكاب هذا التناقض الفاضح –المفضوح-في الأحكام، تبعا لتأرجحهم بين حالة الرضا والسخط، غير أنهم في مجملهم لا يفطنون لهذا الذم ولا ينتبهون لهذا القدح والتناقض وهنا مكمن الخطورة.

فالفرد ما دام راضيا فإنه يوجد ويختلق آلاف التبريرات للقبول وللثناء والمدح لكنه إذا غضب أو انفعل لا يتردد في نسف تلكم الأحكام السابقة بنقضها، وهو بذلك يسفه نفسه من حيث لا يعي ويدري بل ويتناقض ويناقض مواقفه من حيث لا يدري.

هذا التناقض يبعث على السخرية في أسبابه والأخطر في نتائجه قد يحصل خلال لحظات داخل كما في علاقة المجتمع، ولكنه في جل الحالات رغم تفاهة الأسباب قد يهدد بهدم الأسر وبتقويض المجتمع وإلحاق الأذى بالأفراد.

إن الأفراد وهم يلهثون خلف المصالح والأهواء تتهاوى أقنعتهم المفتعلة ويزول الاحترام المصطنع ويتعرى الواقع بكل ما فيه من بشاعة وتفاهة.

وربما أن مصدر الانجذاب والانجراف خلف الأهواء والانكباب في التحيز، هو وهمهم بالتحلي بالموضوعية في آرائهم، وأنهم منصفون في أحكامهم وعادلون في مطالبهم. وبهذا الوهم يتم ارتكاب أفدح الأخطاء وتمارس أشنع صور الأذى وإلحاق الضر والضرر بين الأفراد.

الفرد ليس موضوعيا بطبعه وبطبيعته، كما أن التنشئة الاجتماعية تمحو فيه كل حيادية وتجرد، فالموضوعية من الخصائص العقلانية المكتسبة أخلاقيا.

لا يمكن أن تكون موضوعيا دون أن تجتهد وتجد وتجاهد بأن تكتسب وعيا مستنيرا صادقا في مواصلة البحث عن المعرفة الروحية أو العاطفية أو الإنسانية، بعيدا عن التمترس الديني والفقهي والمذهبي والعرقي والطائفي.

الموضوعية هي شرط محوري للشفافية ولنزاهة الآراء المعبر عنها وشرط كذلك لاستقامة الأفراد سلوكا ومسلكا وثباتا في المواقف وإنصافا في التقييم. وفي غيابها عن الأفراد، فإنه لا يبذل أي مجهود بهدف ترسيخها وتعليمها بالنظر لأهميتها. لأن الأفراد يتربون في مجتمع غارق في التحيز بداية بأسر تخال نفسها الأفضل من غيرها ثم بأفراد يظنون أنهم الأكمل من غيرهم وأخيرا بمجتمع يعتقد أنه الأرقى، فينشأ الأفراد على هذا العته من التطبيل والتمجيد للذات.

يرى الأديب الإنجليزي جورج برنارد شو أن التحيز هو سيرورة وقاعدة سارية على الإنسان وأنشطته، فالإنجليزي يرفض غزو إنجلترا من طرف دولة أخرى لكنه يقبل بقيام انجلترا بغزو دول أخرى ويؤمن بأنه خير وبركة على المستعمَرين. أما آلبورت غوردون فيقول إن تحطيم الذرة أسهل من تحطيم رأي متحيز.

هذه الظاهرة الإنسانية رغم شيوعها وشناعتها وفتكها بالمجتمع لم يفطن لها الكثير من الأفراد، إننا ندق ناقوس الانتباه المتكرر لنوقظ الضمير، ذلكم الضمير الذي يحتاج بعضه إلى تربية والبعض الآخر إلى إعادة تربيته، ولربما قد ننير طريق بعض العقول التي انطفأت فوانيس التفكير فيها.

ومع أن معالجة هذه الظاهرة الإنسانية المترسخة والراسخة يتطلب جهدا وطاقة عقلية ووجدانية ليس بالأمر اليسير، إلا أن الأكيد هو أن بعض الأفراد لو وعوا مقدار سوء أحكامهم على أفراد آخرين والأفكار والمواقف والاختيارات والأشياء والأحداث والمواقع والمواقف، لرفضوا وتراجعوا وراجعوا تحيزهم الناتج عن وهم وتوهم صفاء التجرد ونقاء الموضوعية.

كل مجتمع يربي أبناءه على التميز غير النسبي للذات، بل والانحياز والتحيز ضد الآخرين والمخالفين فكرا وروحا ومعيشا ويزرعون فيهم أن هؤلاء جبناء ضالين وغير متدينين، هذا البعد في التقييم هو أبعد عن الموضوعية، سواء فرديا أو مجتمعيا أو حتى كونيا.

وفي هذا الشأن، تحضرني مقولة لبرتراند راسل جاء فيها أن التعليم الحالي في التاريخ وبعض مواضيعه المثيرة للجدل يشكل ضررا بالتأكيد... فالتاريخ في كل "دولة" يدرس بشكل يعلي ويعظم كل "دولة"... يربي ويعلم الأطفال الاعتقاد بأن "دولتهم" كانت على حق ودائما منتصرة ومتفوقة على جميع المستويات... ولما كانت هذه المعتقدات مشبعة بالثناء والمدح، فإن قبولها يتم بسهولة ولين.

ويضرب لنا برتراند راسل مثالا عن تزييف التاريخ بمعركة واترلو، التي تدرس تفاصيلها وحقائقها في فرنسا عكس التناول في المدارس الألمانية والإنجليزية، الطالب الإنجليزي بالكاد يتصور الدور الصغير لألمانيا والطالب الألماني متأكد من الهزيمة الفعلية لوالينغتون قبل تدخل بلوخر وإنقاذ ماء الوجه بفوج خيالته.

الظاهرة التي تحدث عنها برتراند راسل، أكدها في كتابه "الحرب الحديثة" القائد العسكري الإنجليزي شلفورد بدويل، فكل مجتمع يزرع في أقواله بذور مجافاة الموضوعية يحصد عته وحماقات التحيز. ولذلك تشتد الحاجة إلى حشد طاقة العقل والوجدان للتخفيف من ضرر وشرور التحيزات وتوجيه الأفراد إلى التحكم ومراقبة رغباتهم والحد من أهوائهم، حتى تكبر معهم وفيهم الموضوعية وينغرس فيهم الحس الإنساني حيث يرفضون الاستبداد والتعامل بعقلية الصياد وينجذبون للعدل والمناصفة والمساواة.

الإنسانية هي الحل.