سِلاحُ اللّغَة

سِلاحُ اللّغَة

المدرسة العموميّة تحمل على عاتقها ذنوب كثيرين مع أنها كانت بوابة ترقّ اجتماعي في ماض غير بعيد! ليس لفشل إصلاحها، فلا زالت مركز الحياة الفكريّة في معظم مناطق البلاد التي تبعد عن المركز. ولا لعدم قدرتها على مجاراة سرعة انتشار التّعليم الخاصّ، فهي تظلّ أنبل رسالة وأكثر شرعيّة وأقلّ شرها في التّعامل مع جيوب المواطن، ولكن لما تقدّمه من مضمون تكوين، وما تقذفه في قلوب مرتاديها من قيم وحقائق نظريّة تناقض ما ينتظرهم عند أبواب حياة الواقع! أتذكّر من أيّام الصّبا مادة دراسية كان اسمها التربيّة الوطنيّة. لو طلب منّي تلخيص فحوى برنامجها، لاعتبرتها بناء لهويّة المرء الوطنيّة القائمة على استقلال حقيقي يُحَدّدُ المذنب الأجنبي في مآسي ما قبله والمناضل الوطنيّ في رسم صورة الوطن الحرّ الّذي يمضي في مسار تنميّة تحتاج تظافر طاقات كلّ أبناءه. و لكنّني اليوم بعد أن خبرت بقيّة الحكاية في شكل التّدريس بعد الثّانوي، وطبيعة مقابلات العمل بعد التّخرّج، وشكل علاقات القوة وحسابات السّلطة داخل أسوار الشّركات الوطنيّة، أرى حجم التّناقض الصّارخ بين تربيّة وطنيّة وحقيقية وطنيّة.

النّقاش السّياسوي الذي تعرفه بلادنا اليوم حول لغات التّدريس، بما يخفيه من إشكالات جوهريّة وبنيوية يعيشها تعليمنا، تعكس حجم التّناقضات التي يقدّمها السّياسي للمواطن حوارا ويفرضها عليه خيارات حكامة حتّى لو كانت مهدّدا لمستقبل أجيال بأسرها أو سببا في تشويه هويّة وطنيّة معالمها واضحة في حياة الغالبية و تكريس هيمنة إقتصاديّة لفئة معيّنة عبر سيطرة ثقافتها المختارة الدّخيلة على منابع الأمل في التّرقّي الاجتماعي، التي لازالت تحمل المعنى لحياة ضعاف الحال. فبين دفاع صنّاع تعريب عليل عن لغتهم الضّحيّة، وتمجيد يسار يقدم نفسه شعبيا للغة نخبة مجهريّة، وخلط بين انفتاح لغوي واعتماد لغوي، ترسم الأحزاب الوطنيّة لوحة جديدة لبعدها عن المواطن وواقع حياته اليوميّة، هذا المعني الأولّ بكلّ إصلاح رغم أنّه مستبعد عن صناعة تفاصيله. استبعاد قد يبدوا عاديا بالنّظر لسيادة الكلمة السّياسية حتى فوق الرّأي التعليمي الذي لا يمكن أن ينتجه غير أهل الاختصاص. الموضوع أكبر من مجرّد خيار تعليمي، إنّه نقاش مؤجلّ منذ زمن، عمقه تكافؤ الفرص بين المغاربة، وأساسه ركيزة عدالة إجتماعيّة من عللها ظلم لغويّ مفروض على الغالبيّة. والحوار هنا بصبغته المصيرية يجب ألّا يترك في يد أحزاب يطال القصور قدرتها على إنتاج رؤية إصلاحية مقارنة بغرقها في حساباتها السيّاسية التي باتت مسلسلات ترفيه للجيل الشابّ.

إذا كان الهدف هو الرّقي بالتّعليم الوطني إلى مستوى عالمي، فيمكننا أن نتفهّم دعوات إعتماد الإنجليزية لغة تدريس للعلوم. وهو اقتراح عملي يدعمه شكل البحث العلمي والتفاعل مع عالميته، ولا صحّة لضعف قدرة أساتذة التّعليم العالي على تبنيه بالنّظر لسيادة الإنجليزية لغة لأعمالهم البحثيّة، والبساطة اللّغوية التي تقدّمها كلغة أجنبية بما يفسر انتشارها العالمي. لكن هذا التّعلّق بلغة غيرها هو مناقض للواقع ويحمل غرضا إيديولوجيا جليّ الوضوح ومعارضا للمصلحة الوطنيّة. أمّا إن كان الغرض هو التّأسيس لتعليم وطنيّ قويّ، منتج علميّا ومنافس دوليا، فالمنطق هو إعتماد اللّغة الوطنية لغة تلقين و تقديم الإنجليزية لغة أجنبيّة أولى للتواصل مع العالم. هذا النموذج المعتمد في الأنظمة التّعليمية لمعظم القوى العالميّة والذي نرى نجاحه في نماذج كألمانيا و الصين و البرازيل على سبيل المثال، و التجاوز الغريب لمنطق نجاحه في الحوار السّياسي المفتوح، يؤكّد أنّ المصلحة العمومية ليست مقدّمة كأولوية في صياغة شكل الإصلاح المعتمد.

أمّا إن كان المبتغى الإصلاحي هو تقويّة الاقتصاد الوطني ورفع قدرته على إستيعاب جحافل العاطلين عن العمل، عبر ربط متطلّباته بصياغة شكل التّعليم العالي، فيصعب الدّفاع أيضا عن المقترحات التي نمضي نحو اعتمادها. إذ أنّ الإنجليزية تظلّ لغة التّفاعل الأولى مع اقتصاد عالمي مُعولَم، وحجم مبادلاتنا مع الدول غير الفرنكوفونية مجتمعة يضع إعتماد الفرنسية لغة أعمال معيقا حقيقيا للإستفادة البلاد من فرص استثمارية وتجارية واقتصادية قويّة! فلا يمكن للنخبة الاقتصادية فرض ثقافة تخالف ثقافة السوق، ولسانا يغاير لسان المستهلك والزبائن إن هيّ غلّبت حسابات الرّبح فوق إيديولوجية الثّقافة الطبقيّة. وهنا أيضا يصبح الإصلاح المقترح معيقا اقتصاديا لتنمية، الوطن في طور صياغة نموذج حديد لها.

الجرم الحقيقي في إعتماد لغة أجنبيّة غير الإنجليزية لتدريس العلوم بالبلاد يهمّ الشّق الاجتماعي لآثاره. ففي الوقت التي تقرّر فيه فرنسا فرض رسوم دراسية مضاعفة أضعافا أمام الطّلّاب الأجانب بما فيهم المغاربة، نستمر نحن في حرمان طلّابنا من إنجليزيّة عالميّة تفتح أمامهم أبواب جامعات العالم بأسره بتكاليف قد تكون أقل، وتهبهم فرص المنافسة على منح كبريات المؤسسات التعليمية بالعالم والتي لا تملك مدارس النموذج الفرنسي مضاهاتها. فنحرم معهم الاقتصاد الوطني من تنوع مصادر المعرفة، ونماذج التّكوين، ونساهم في تعطيل المصعد الاجتماعي بفرض لغة تدريس إتقانها إلزامي لإبراز الموهبة، وغيابها في الوسط الأسري حكم بوراثة الفقر وقلّة الحيلة. و بالانطلاق من زاوية الآثار هذه يصبح الغارقون في عشق لغة موليير وثقافة أحفاد نابوليون بما قد تحمل من جمال معروف، مطالبون بالتّحلي بجرأة المطالبة بتمكينها دون إقصاء العدالة الاجتماعية التي هي صلب وجود الجمهورية الفرنسية، وهذا لا يتمّ الاّ بشكلين، الأول اعتمادها لغة رسميّة للبلاد يتلقّنها الكلّ على قدر من المساواة، والثّاني في إعتماد الفخر الفرنسي المقدّس لهويّته اللّغوية رغم تراجع تنافسيتها الدولية منطلقا، والسّماح للهويّة الوطنية باكتساب مكانها الحقيقي في التعليم والاقتصاد والإعلام حتى لا تقصى أيّ من طاقات الوطن الإبداعية.

لا يمكن لبلد أن يعيش سليما بقلب لغته الأدبية التي تترجم عمق مشاعر غالبيته تختلف عن لغته العلميّة التي ترسم تعطّشه للمعرفة والإبداع الإنتاجي. ولا يمكن خلق تجانس في مجتمع لا تواصل حقيقي بين فئاته وطبقاته بفعل سيادة فاصل لغوي مفروض. اللّغة سلاح ثقافي تاريخي القوّة كأداة هيمنة وسيطرة، ولهذا فالحسم في مسألة التّجانس اللّغوي بين مكونات المجتمع هو ركيزة خلق التّرابط الواجب بين نخبه وقواعده الشّعبيّة التي تشكّل الغالبية. هذا التّرابط الذي إن غاب، حُكم على كلّ نموذج تنموي بالفشل المسبق وتحوّلت كلّ محاولات صياغته إلى هدر للمزيد من الوقت في طريق سعينا المشروع الطبيعي كوطن للترّقي الحقيقي.