قراءة في مشروع مرسوم الصفقات العمومية القاضي بمنح التعاونيات حق الولوج للطلبيات العمومية

قراءة في مشروع مرسوم الصفقات العمومية القاضي بمنح التعاونيات حق الولوج للطلبيات العمومية

بعد مرور قرابة ست سنوات على دخول المرسوم رقم 2.12.349 المتعلق بالصفقات العمومية حيز التنفيذ، الذي ألزم صاحب المشروع من خلال المادة 156 بتخصيص نسبة عشرين بالمائة (20%) من المبلغ المتوقع للصفقات التي يلتزم طرحها برسم كل سنة مالية، لفائدة المقاولة الوطنية المتوسطة والصغيرة، وبعدما نص القانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات الصادر في نونبر سنة 2014 والمعدل في أغسطس سنة 2017، من خلال مادته التاسعة على إحداث سجل التعاونيات لدى المحكمة الابتدائية المختصة، وتمكين التعاونيات المقيدة بهذا السجل من إمكانية مشاركتها في الصفقات العمومية، تتجه الحكومة من خلال مشروع المرسوم القاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.12.349 بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية، نحو تمكين المقاولات الذاتية والتعاونيات بالإضافة إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة من الاستفادة من الصفقات العمومية.

وقبل الخوض في تحليل المستجدات التي حبل بها مشروع المرسوم الجديد، لا بد من الإشارة أولا إلى أن التعاونيات والمقاولات الذاتية تلعب دورا بالغ الأهمية في دعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في التنمية الاجتماعية وتعزيز فرص التنمية المستدامة، ذلك أن النسيج التعاوني يعتبر بمثابة المكون الرئيسي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، سواء من حيث مناصب الشغل التي يساهم في خلقها، أو من حيث مساهمته في الدفع بالتنمية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي.

وبالرجوع إلى مشروع المرسوم الجديد، يلاحظ أنه اعتمد آليات جديدة تروم تبسيط ولوج المقاولات الذاتية والتعاونيات إلى الطلبيات العمومية بصفة عامة، والصفقات العمومية بصفة خاصة، ويشترط هذا المشروع على التعاونية المنافسة الإدلاء بشهادة القيد في السجل المحلي للتعاونيات، وفي حال إسناد الصفقة إليها وجب الإدلاء بشهادة ضريبية تثبت وضعيتها الجبائية القانونية، وشهادة تثبت وضعيتها القانونية تجاه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما اشترط على المقاولة الذاتية المنافسة الإدلاء بشهادة القيد في السجل الوطني للمقاول الذاتي، وكذلك الإدلاء بشهادة ضريبية تثبت وضعيتها الجبائية القانونية إذا ما أسندت إليها الصفقة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التعاونيات كانت تستفيد من الإعفاء الضريبي، بيد أن قانون المالية لسنة 2005 وضع حدا لهذا الإجراء، وفرض على تعاونيات التحويل، التي يفوق رقم معاملاتها خمسة ملايين درهم، الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، كما تم رفع هذه القيمة إلى 10 ملايين درهم في قانون المالية لسنة 2013.

وفي الاتجاه ذاته، نصت المادة 40 في صيغتها الجديدة على أنه في حالة تساوي عدة عروض اعتبرت الأكثر أفضلية بالنظر لعدة عناصر، تقوم اللجنة من أجل الفصل بين المتنافسين بإجراء عملية القرعة، وعند تعادل العروض تمنح الأسبقية للعرض الذي تقدمت به التعاونية أو المقاولة الذاتية. كما خولت المدة 88 منح سندات الطلب للمقاول الذاتي أو التعاونية كلما تعذرت المنافسة أو كانت غير ملائمة. ومن دون شك، فإن إجراءات من هذا القبيل لا يمكنها إلا أن تشجع فئات جديدة كالنساء القرويات والشباب من حاملي الشهادات، والمهاجرين الذي فضلوا العودة للوطن الأم، وكذلك الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، على الإقدام على خلق التعاونيات والمقاولات الذاتية، خصوصا وأن هذه الإجراءات تدفع بهاته الهيئات إلى الخلق والابتكار وعدم الاكتفاء بالمساعدات المقدمة من طرف الدولة.

كما ألزم المشروع الجديد من خلال المادة 156 صاحب المشروع بتخصيص نسبة 30 بالمائة من المبلغ المتوقع للصفقات التي يعتزم طرحها برسم كل سنة مالية، للمقاولة المتوسطة والصغيرة وللتعاونيات واتحاد التعاونيات وللمقاول الذاتي، مع ضرورة نشر صاحب المشروع للائحة الصفقات العمومية التي نالتها المقاولة الصغيرة والمتوسطة والتعاونية والمقاولة الذاتية خلال السنة المالية السالفة.

وهنا لا يسعنا إلا تثمين هذه المقتضيات الإيجابية، بحيث تعتبر بادرة حسنة وتمييزا إيجابيا للتعاونيات والمقاولة الذاتية، وقطعا لكل التلاعبات التي يمكن أن تعرفها عملية إسناد الصفقات العمومية، وإعمالا للمقتضى الدستوري المكرس للحق في الحصول على المعلومة.

وفي الحالة التي يكون فيها الفائز بالصفقة مقاولة أجنبية، وقرر التعاقد من الباطن في إطار هذه الصفقة، ألزمه المشروع الجديد من خلال المادة 158 باختيار المقاول الذاتي أو التعاونية كمتعاقدين من الباطن يعهد إليهما بإنجاز جزء من الصفقة، وهذا فيه تشجيع للكفاءات الوطنية ومنحها الأسبقية في الاستثمار في الموارد المتاحة وتحقيق التنمية البشرية.

إن الإيجابيات الكثيرة التي حملها مشروع المرسوم الجديد لا تمنع من إبداء مجموعة من الملاحظات حول الإكراهات التي قد تعوق ولوج الهيئات المذكورة إلى الاستفادة من المناقصات العمومية. بحيث توجد صعوبات مرتبطة بالتمويل البنكي الذي ينحصر بشكل أكبر في المقاولات الكبرى، وما زالت البنوك تنخرط بشكل ضعيف في منح التمويل لهذه الهيئات الصغيرة، كما أن هذه الأخيرة، بالنظر إلى حجمها المحدود، تبقى معرضة للصدمات والتقلبات الاقتصادية، وهو ما يصعب عليها مهمة الإيفاء بالمتطلبات الضريبية، مما يشكل عائقا أمامها في الولوج إلى الصفقات العمومية، بالإضافة إلى أن هذه الهيئات غير مؤهلة بالحجم الكافي، خصوصا وأن نسبة كبيرة من التعاونيات تعاني من ظاهرة الأمية.

وزيادة على ذلك، هناك مشكل التأخر في صرف المستحقات المالية للمقاولات التي تنهي الأشغال المسندة إليها من طرف صاحب المشروع، وهو ما يعصف بالكثير منها إلى جحيم الإفلاس، كما تطرح مجموعة من الصعوبات في تنزيل هذه المقتضيات القانونية على أرض الواقع؛ ولعل ما يؤكد هذا الطرح تسجيل ضعف في تطبيق نسبة 20 بالمائة الممنوحة للمقاولات الصغرى والمتوسطة بمقتضى مرسوم 2013.

وفي الختام ينبغي التأكيد على أن المستجدات التي جاء بها المرسوم الجديد تبقى مهمة للغاية بحيث تعتبر بمثابة إنصاف للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وستساهم في الدفع بالتعاونيات إلى القيام بعملية القيد بسجل التعاونيات، وبالتالي التمكن من ضبط مساهمتها في الناتج الداخلي الخام، الذي لا يتجاوز بالمناسبة 1،5 بالمائة. وهو ما يقتضي العمل على إخراجها إلى أرض الواقع بأقصى سرعة ممكنة، لما ستحققه من تقدم ونمو مضطرد على مجموعة من المستويات. وفي هذا الإطار نضم صوتنا إلى الباحثين والمهتمين وننادي معهم بضرورة القيام بما يلي:

- تقوية الحكامة الجيدة، ومحاربة كل أشكال الفساد والرشوة.

- غرس الحس المقاولاتي لدى التلاميذ على الأقل بدء من الصف الثانوي مع التطرق للسياسات والممارسات، وإيلاء اهتمام خاص لريادة الأعمال ككفاءة رئيسية ومهارة ريادية.

- ضرورة تحمل المقاولات الكبيرة للمسؤولية الاجتماعية، وذلك بالعمل على دعم واحتضان المقاولة الذاتية والتعاونيات المحلية.

- توفير المصاحبة والتكوين للتعاونيات والمقاولة الذاتية، حتى تتمكن من الولوج للصفقات العمومية.

-منح تسهيلات بشأن الحصول على الشهادة الضريبية.

- دعم شبكات التعاون وإعداد تأطير قانوني جيد يدفع بهذه المؤسسات للمساهمة في التنمية المستدامة.

* باحث دكتوراه في القانون الخاص بجامعة محمد الخامس الرباط