الإعلام ودوره في نشر الجريمة والوقاية منها

الإعلام ودوره في نشر الجريمة والوقاية منها

لقد عمد العديد من الباحثين و العلماء إلى محاولة تفسير ظاهرة الإجرام من خلال البحث عن أسبابها وصورها للوصول إلى حلول للحد منها، ولعل أولى التفسيرات هي تلك المتعلقة بالمدرسة الفلسفية رابطة إشكالية الجريمة بالأخلاق ، ومن روادها كانط حيث يقول " أن إرادة الخير هي الشيء الوحيد الذي يعد خيرا على الإطلاق دون قائد أو شرطي وترتبط إرادة الخير بمفهوم الواجب "، ثم تلتها مجموعة خطوات سلطت الضوء على الجريمة كظاهرة مجتمعية.

إن معظم النظريات الاجتماعية النفسية التجريبية حاولت أن تفسر ظاهرة الانحراف والجريمة و السلوك الإجرامي وفق تحليلات انطلقت من التفاعل بين الأفراد و الجماعات و الأطياف الاجتماعية و البنى التحتية المكونة لكل مجتمع و الدوافع الشعورية و اللاشعورية ، والهيئة والبنية الجسدية وما إلى ذلك.

إن فلسفة هذه النظريات اتجهت منذ نشأتها إلى مكافحة الانحراف والجريمة مستخدمة العديد من الوسائل والأفكار والدراسات وبثها عن طريق مختلف السبل أبرزها الإعلام لتتوغل في المجتمع، فما مدى فعالية كل هذه الوسائل في تحقيق الهدف المسطر؟ ثم كيف يمكن للإعلام أن يكون أداة للتطبيع مع ظاهرة الإجرام أو وسيلة للحد منها؟

و يرى دوركايم أن لا معنى للإجرام إن لم يعطى الاهتمام للمجتمع و الثقافة فهذه الثقافة لا تحمل فقط عناصر مادية بل عادات خاصة و مرتبة تكون لها دلالة حسب نسق القيم الخاص بها .

لتأتي نظرية التقليد والتي كانت نتيجة دراسات علماء عن دور أو سببية التقليد في ظهور الجريمة و الانحراف، فالتقليد هو العنصر النمطي المميز للحياة الاجتماعية لأنه يمثل الومضة الأولى للشعور و هو رمز الاندفاع البيوعقلي الأولي.

نظرية الارتباط الفارقي والتي تلخصت في كون السلوك الإجرامي مكتسب و هو ليس وراثي و الذي لم يتلقى تكوينا إجراميا لا يخلق مجرما، يتعلم الفرد السلوك الإجرامي و هو على ارتباط بأشخاص آخرين و يتم ذلك التعلم عن طريق الاتصال ، الذي هو بالأخص اتصال لفظي قد يكون إما بالقدوة أو المثل، كما يحتوي التكوين الإجرامي على تعليم تقنيات ارتكاب المخالفة بحيث تكون أحيانا معقدة و أحيانا أخرى بسيطة.

نظرية الطبقات الاجتماعية و الاختيارات المنحرفة وهي تخص الأهمية المعطاة للإحباطات التي يعانيها المراهقون والتي تعتبر غير كافية في ظهور الثقافات المنحرفة بل لا بد من فحص مختلف الاختيارات الممنوحة للشباب من طرف البنية الاجتماعية و الاقتصادية.

نظرية الانحراف و عدم القدرة الاجتماعية والثقافية وتهم أساسا المراهق المنحرف المنتمي إلى عصابات منظمة له شخصية تفتقر إلى قدرات لربط علاقات إيجابية أو سلبية مع الآخرين.

نظرية الانحراف و البنية الاجتماعية التي تلهم الثقافات التحتية المنحرفة المراهقين بالقيم المناقضة لقيم المجتمع ما يجعل هذه البنية الاجتماعية والثقافية متفتحة على التأثيرات والتيارات الفكرية المتلاقية و المتناقضة.

بين هذا وذاك وبين كل هذه النظريات والتحليلات والدراسات نصادف نظرية التكيف الاجتماعي (النظرية السلوكية) ومن رواد تعديل السلوك وبصفة خاصة السلوك العدواني ألبرت باندورا. والذي ركز في نظرية التعلم الاجتماعي على أن الناس يتعلمون من خلال التقليد وملاحظة نماذج القدوة، وأن ما يشاهده الأطفال يكون له تأثير كبير على سلوكهم الاختياري، وبالتالي فهذه النظرية تسمى أيضا نظرية التعلم بالملاحظة. وتفسر النظرية كيف أن ما يشاهده الأطفال من مواقف عدوانية تجاه الآخرين سواء حقيقية أو في التلفزيون والإعلام عموما ينعكس على سلوكهم مع الآخرين، خاصة إذا حصل ذلك الملاحِظ على مكافأة نتيجة لعدوانيته.

هذه النظرية تفسر باستجابة الإنسان للظروف البيئية والاجتماعية وتفاعله معها ، و يرى العلماء المتبنون لهذه النظرية أن السلوكات الإجرامية هي ثمرة سلوك مكتسب بالتعلم ويتوطد بالتعزيز الإيجابي، ومعنى هذا أن الأشخاص لا ينشؤون مجرمـين بالفطرة بل يتعلمون الإجرام عن طريق الملاحظة أو بالتجربة المباشرة.

هناك علاقة بين الطريقة التي يتعامل بها الإعلام المقروء أو المرئي، وبين طريقة النشر وطريقة تناول الجرائم والعلاقات بين الطرفين بأنواعها سواء رسمية أو غير رسمية، فيبرز في مجتمعاتنا العنف الاجتماعي والجريمة، والنتيجة التفشي والانتشار الملحوظ يوميًا الذي يلوث مسامع وبصر القارئ أو المشاهد، والتي تروج فى مجتمع الممنوع فيه مرغوب.

وقد حدث جدل كبير حول دور الإعلام في زيادة عدد الجرائم وانتشارها، و تزيين الجريمة والإجرام في نفوس الناس لأنها تنشر بطريقة سيئة ومثيرة، وتبالغ في وصف الجريمة، وكأنها ترفع من شأن مرتكبيها، مما يزعزع الثقة بمثل وقيم المجتمع، ولذلك فقد أصبح الكثير من الناس لا يرتضون وجود العنف والأمور الشاذة فحسب بل صاروا يحبون ذلك ويستمتعون بمشاهدته لقد صار العنف جزء من عملية التسلية والترويح عنهم.

الإشكالية المطروحة هنا بما أن الفرد يتعلم عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين، و يتعلم من ملاحظة نتائج هذا السلوك، وبما أن الترميز والإعادة يساعدان في عملية الاحتفاظ كي يتم التسجيل الحسي؛ فما هو مدى قوة الوسيلة الإعلامية في إحداث التغيير في الأفراد؟ وهل يمكن لإنتاج تلفزيوني أو سينمائي أن يفرض تحولا أو يحدث تغييرا كبيرا على الظروف الاجتماعية والنفسية التي تميز الفرد ؟

الحديث عن الإعلام والصحافة يجرنا لا محالة للتطرق إلى مواقف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الذي أناط اللثام عن حقيقة السلطة غير المرئية التي تمارسها هذه الوسائل، والخطر الذي تمثله من خلال البحث عن الإقبال الجماهيري وما يترتب عن ذلك من أرباح مادية، مما يتيح ويسمح بالممارسات والأفكار العنصرية والمعادية والعدوانية للآخر.

فقد قام بيير بورديو بتحليل آليات المادة التلفزيونية وتأثيرها على المشاهد عن طريق الحجب أو المنع أو التلاعب بالعقول كعنف رمزي يكون في بعض الأحيان بتواطؤ مع الذين يخضعون له ما يسهل عملية ممارسة سلطة غير مرئية ومتحكمة بقلوب ومشاعر وغرائز الكثيرين من أفراد المجتمع، مؤكدا في الوقت نفسه على صعوبة الخروج من مجال تأثير هذه السلطة الخاضعة للمنطق التجاري الذي يفرض ثقله على كل المجالات، وتجدر الإشارة إلى أن بورديو انتقد حتى المثقفين الذين يخضعون لشروطه مما أنتج نوع من المثقفين يسميهم مفكرين على السريع.

يعمل التلفزيون على السيطرة على البنيات العقلية أو الإدراكية المهيمنة في مجال ما، على ترسيخ و ترتيب وإدراك ومطابقته للنظام الاجتماعي التي ليست إلا استنباطا له. ، بمعنى أن التلفزيون من خلال الهابيتوس، وهو مفهوم خصه بورديو، تعبيرا على مسألة تتجلى في تأطير ملامح الحياة الاجتماعية بحيث يجعلها طبيعية ومسلمات بناها المجتمع وموجودة فيه فعلا تم أقلمتها لتصير شرعية، مما يجعل فئات المجتمع ضحية وهم. إن التلفزيون بهذا المعنى يقدم فكرا جاهزا كنوع من التغذية الثقافية المعدة مسبقا.

إن هذا الإنتاج الأيديولوجي في وسائل الإعلام، هو ما يساهم في إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية حسب بورديو، من خلال أدوات السيطرة والتي تساهم في توجيه الحياة الاجتماعية بمساراتها المختلفة.

لابد أن يكون لكل رسالة إعلامية أهدافا في نشر الوعي الأمني والوقاية من الجريمة والانحراف فكما أن الكثير من المضامين الإعلامية قد تتسبب بقصد أو بدون قصد في تشجيع السلوك المنحرف.

فإن الصناعة التليفزيونية أو السينمائية ركزت كثيرا على أدوار تجار المخدرات أو تجمعات العصابات، والمثير للانتباه هو التمادي في وصف تفاصيل ارتكاب الجرائم وبالتفصيل الممل و بدقة شديدة شاغلة حيزا زمنيا مهما من المنتوج السينمائي والتليفزيوني، مصورة إياه في مشاهد كوميدية تجعل المنحرف شخصا خفيف الظل محبوبا للمشاهد بل قد يتعاطف الكثير مع المجرم عوض الضحية، في حين أن الجزاء لا يأخذ غير ثوان غالبا لا يتذكرها المشاهد.

كما تلعب الصحافة دورا أساسيا في التكوين الإجرامي حيث تعيش على أوجاع الناس فنجاح أو إنجاز فرد في المجتمع ليس بخبر كبير لكن الاعتداء على سيدة عجوز أو هتك عرض طفل صغير يحتل الصدارة ويشكل مادة دسمة ثم لا مانع من بعض المبالغات والمزايدات ووضعها في قالب من التشويق والإثارة.

الإعلام بشكل غير مباشر حتى لو كان بدون قصد بهدف التوعية أو عن قصد لزيادة عدد المشاهدين والمتابعين والإعلانات، قد أصبح يشارك في صناعة العنف والجريمة في المجتمعات بشكل أو بآخر، وما يحدث من كثير من جرائم حقيقة هي تطبيق واقعي لحالة تمثيلية أو رمزية قدمت عبر الشاشة أو الصحف، حيث يعيد الفرد إنتاج ما تم مشاهدته فتتحقق المأساة الحقيقية.

إن تدني فكر الأفراد وتآكل عقولهم بفعل الفقر والجهل وتحكم رأس المال في منابر الإعلام و الصحف يساعد كثيرا فى نشر الجرائم ذات الأبعاد الجنسية والفكرية وازدياد العنف والسيطرة وتولى الإعلام منصب القاضي والمحقق، والجلاد، والطبيب، واحتكار للآراء، خالقا تشوها واختلالا وصراعا فى المجتمع، وحالة من الارتداد الاجتماعي والفكري تزيد من نمو الجريمة وتصاعد وتيرة الصراع، وارتداد إلى الأصول والمرجعيات الأولية والجاهلية.

إذا وكما أكد علماء النفس أن الجريمة والعنف سلوك يتم اكتسابه عبر التعلم فإن البداية الحقيقية لتفعيل دور وسائل الإعلام يأتي من خلال مشاركتها في التنشئة الاجتماعية، خاصة وأن ما يقضيه الفرد في متابعتها أكبر بكثير مما يقضيه في صحبة أسرته أو مدرسته، كذلك لابد على وسائل الإعلام أن تتحمل مسؤوليتها الوطنية في الحد من الانحراف والوقاية من الجريمة.

ولهذا فمن أجل تحقيق الأهداف الأمنية والتربوية والاجتماعية في الدولة لابد أن يأتي تصميم الرسالة الإعلامية في مقدمة الواجبات التي يتحتم على وسائل الإعلام النهوض بها، و أن أهمية التصميم هذه تنبع من الإدراك بأن الإنسان انتقائي بطبيعته.

*طالب باحث في ماستر التواصل السياسي