سلطة المثقف.. وثقافة السلطة

سلطة المثقف.. وثقافة السلطة

يتساءل الكثيرون في عصرنا عن تراجع دور المثقف وخفوت صوته، حيث لم يعد له تأثير في مجريات الأحداث، وإنتاج قيم وأفكار تسهم في تغيير وصناعة التاريخ الإنساني وتغيير العالم.

ويجب أن نقر، بداية، بأن تحديد دلالة مفهوم المثقف ما زال موضوع تباين؛ نظرا لصعوبة حصر المفهوم وضبطه بدقة، وإن كانت غالبية التعريفات منحت صفة المثقف "لكل من يشتغل في مجال الثقافة عموما إنتاجا ونشرا وترويجا واستهلاكا". وقد كتب المناضل والفيلسوف الإيطالي النبيه أنطونيو غرامشي فيما كتب من مذكرات السجن (سجنه موسوليني من عام 1926 إلى عام 1937)، قائلا: "إن جميع الناس مفكرون... ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس"؛ فالمثقف يمثل الضمير الإنساني، لأنه ينحاز إلى فئة المستضعفين والأقل تمثيلا في المجتمع، ومن يعانون من التهميش والتجاهل. إن أكثر من يتطلع إليه المواطنون في أوقات الشدة هو المثقف؛ للتعبير عن معاناتهم، والدفاع عنهم، والشهادة أمام التاريخ بما وقع من صور معاناتهم.

إن المثقفين البارزين تربطهم علاقة رمزية بزمانهم، فهم يمثلون في وعي الجماهير العريضة معنى التحدي والانحياز إلى قيم الحق والعدالة والحرية، ويملكون القدرة على تعبئة الجماهير والكفاح لأجل مجتمع تسوده قيم العدالة الاجتماعية.

وعلى النقيض من ذلك ما أكثر المثقفين المتخاذلين المسؤولين عما يلحق مجتمعاتهم من معرَة وخزي؛ لأنهم لم يستطيعوا تمثيل المعاناة الجماعية لأبناء شعبهم والشهادة على ما كابدوه لتدعيم الذاكرة الجماعية.

ولعل التاريخ حافل بنماذج المثقفين، من روائيين وشعراء ورسامين مثل سقراط وبيكاسو ونيرودا وسارتر الذين جسدوا الخبرة التاريخية لشعبهم في مواقف بطولية وأعمال فنية جمالية وروائع أدبية خالدة.

فما نلاحظه في بعض مثقفي اليوم هو الاستسلام المفضوح لمنطق التبرير والتغاضي عن الشرور والفظاعات الإنسانية التي ترتكب باسم انتمائه العرقي أو العقائدي. ويحدث هذا خصوصا في فترة الحروب والأزمات، كموقف بعض المثقفين من الغزو الأمريكي للعراق وقبله في حرب فيتنام والجزائر، حيث استنكف هؤلاء المثقفين عن الجواب عن سؤال جدوى وعدالة هذه الحروب، إما طمعا أو خوفا من اتهامات التخوين.

فإذا لم يستطع المثقف أن يتحرر من وصاية وسلطة السياسي، فإن ذلك يدفعه إلى أن يُلبس الأكاذيب ثوب الصدق، ويُزور الحقائق، ويُضفي المشروعية على الممارسات القمعية تحت عناوين خادعة كمكافحة الإرهاب وحماية النظام العام...

إن المثقف عليه أن يحسم الاختيار بين الولاء والخضوع والانضمام إلى فئة الحكام وأصحاب القرار، فيدجَن ويُكافأ فيضمن لنفسه عيشا رغيدا، أو بين التمرد على ثقافة السلطة، والنضال والسير في الطريق الشاق إلى جانب المستضعفين؛ غير أنه لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أن دور المثقف هو فقط المعارضة العمياء، وإنما طرح الأسئلة وحلحلة الواقع وكسر حالة الجمود والتفكير في كل ما لا يُلتفت إليه أو يُتجاهل في غمار الاندفاع نحو الأحكام المسبقة والأفعال الجماعية، حيث نجد بعض المثقفين من أمثال إدوارد سعيد والعروي والجابري وأركون وأدونيس وكمال أبوديب... قاموا، وبصورة مستفزة أحيانا، بتحريك الثوابت والنبش في التراث الذي لا يقبل أن تنتهك حرمته أو يبعث من مرقده أو يعبث بثوابته، فحاولوا قراءة بعض المكونات التراثية وفق رؤى جديدة تتغيا إصلاح وتجديد الفكر الديني وفق فهم مقاصدي، كما أنهم لم يُخدَروا طاقاتهم النقدية واشتبكوا مع مجمل القضايا الساخنة لمجتمعاتهم.

في حين اختار بعض المثقفين الانضمام إلى جناح السلطة والتمترس في خندقها، وانخرطوا في جوقة التأييد المطلق للحاكم. وقد كشفت أحداث ما يسمى بالربيع العربي عن "أزمة المثقف"، حيث لم تستطع هذه النخبة، في غياب الأحزاب والهيئات السياسية، أن تقود مجتمعاتها نحو التغيير وانقسمت بين دورين، "دور المثقف المشارك في التدمير، ودور المثقف الشاهد على هذا التدمير".

[email protected]

0605911525