الفقه الإسلامي يحتضر  فهل من طبيب ينقذه؟

الفقه الإسلامي يحتضر فهل من طبيب ينقذه؟

لا يمكننا أبدا أن نتقدم خطوة واحدة على درب التجديد الديني، وفتح آفاق الإبداع في علوم الدين وصناعة الفتوى ومعانقة واقعنا المعاصر وتلبية قضاياه، إلا إذا رفعنا الحصانة والقداسة عن غير المقدس، من الأشخاص والآراء البشرية، وقصرنا التقديس على الذات الإلهية وعلى كتابه الكريم وسنة نبيه "صلى الله عليه وسلم " الصحيحة؛ لأنه ينبغي على المشايخ والدعاة وطلبة العلم الشرعي عموما أن يعلموا بأن الأحكام الفقهية الجزئية المستنبطة باجتهاد المجتهدين في قراءة النصوص الدينية ليست قرآنا، وأن الكثير منها يدخل ضمن دائرة (المتحرك) أي قابل للتغير وفق سياقات ومقتضيات الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، فمن العيب والعار أن تناقش طالب علم ويأتي لك بقول فقيه أو فتوى دينية عمرها 6 قرون، ويقول لك هذا هو حكم الله تعالى، وماقضى به الإسلام!.

ففي خضم هذه الأجواء من الجمود الفكري والبؤس الفقهي والمعرفي ينشأ التطرف والتنطع، كما يكثر تجار الدين؛الذين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون؛ يحسبون أنفسهم من عباد الرحمن ومن طينة الملائكة الأبرار؛ أتقياء أنقياء، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ مع أن الدين الإسلامي يؤكد ويقر ويحسم الأمر ببشرية الإنسان؛ مهما بلغ من الزهد والعبادة والتقوى ما بلغ، فلن يخرج من طينة بشريته ومن حقيقة نفسه الأمارة بالسوء، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطَّائين التوّابون"، فمن يحاول أن يجعل من نفسه قديسا وملكا من ملائكة الله تعالى ستفضحه هوى نفسه، وشهوة فرجه، وشهوة حب المال والتملك والسيطرة على الآخرين.

يقول الشيخ عبد الله بن بيه: "صناعة التدين التي هي صناعة بشرية، أحالت الدين الذي هو في أصله طاقة تصنع السلام إلى طاقة تصنع منها القنابل المميتة المهلكة للحرث والنسل، فصناعة التدين إذا لم نحسن إتقانها، ولم ندرك أبعادها فيمكن أن تنفرط، وتتحول من رحمة إلى عذاب.."، فكثرة الإرهاب المعنوي والمادي والفكري المنتشر اليوم عبر تويتر والفيسبوك وغيرهما من مواقع التواصل الإجتماعي، وخصوصا فيما يتعلق بفتاوى التكفير والتبديع والتفسيق، بالإضافة إلى دعاوى القتل والتحريض عليه، ما هي إلا نتائج طبيعية عادية عن الخلل الحاصل لهؤلاء في فهم جوهر الدين ومقاصه الكبرى؛ لهذا ينبغي على دول العالم العربي والإسلامي إصدار تشريعات وقوانين صارمة لمحاسبة كل من يجنح لنوعية هذه الكتابات التحريضية والتكفيرية عبر هذه الوسائط؛ مع إنشاء مؤسسات إعلامية ومراكز بحثية وجرائد ومواقع وطنية ودولية تعنى بالرصد والبحث والتتبع لما يروج له بعض الكتاب وخطباء المنابر والمشايخ ودعاة الفتنة والتطرف والإرهاب من خطابات عنصرية وفتاوى تحريضية تكفيرية وتفكيكها ودراستها، ومتابعة أصحابها قضائيا، مع فضح وبيان زيف تلك الدعاوى وتفنيدها بالحجة والدليل، مع إنتاج خطاب ديني بديل ومفيد لواقعنا المعاصر، وإلا سنظل نعيش ونتغذى على دماء بعضنا البعض !!

فدين الإسلام هو في الحقيقة أوسع وأكبر وأعم في أن يختزل في جماعة معينة أو طائفة أو حزب سياسي، فهو نور وتزكية وهداية ومحبة وسلم وسلام وتساكن وتعايش بين الناس ورحمة للعالمين، وأرى من الواجب اليوم القيام بسن قوانين صارمة تحدد من خلالها مجالات الدين وشؤونه، ومجالات السياسة وشؤونها؛ لأن أصحاب التيارات الدينية من عادتهم تاريخيا ببيع الأوهام للناس ودغدغة عواطفهم بالقصص والخرافات والشعوذة والدجل؛ بغية قضاء مآربهم الشخصية الضيقة على حساب دين الله تعالى، وهذا مافعلته الكنيسة في أوروبا أيام انحطاطها؛ بحيث كانت تقوم ببيع (صكوك الغفران) وهي عبارة عن وثائق وأوراق مكتوبة كانت تمنح من الكنيسة الكاثوليكية مقابل مبلغ مالي يدفعه الشخص المذنب تختلف قيمته باختلاف ذنوبه، بغرض الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب على الخطايا والذنوب..!، وهناك من المسيحيين من كان يبيع أرضه وداره وحماره وبغلته ويقدمها للقساوسة والرهبان مقابل مسح ذنوبه وخطاياه ويصبح كيوم ولدته أمه حسب ما أوهموه !! .

وخلاصة القول، ما أحوجنا اليوم إلى فقه إسلامي إنساني جديد ومعاصر، يساير واقع الناس ويلامس همومهم ويعالج مشاكلهم، وينتصر لإنسانية الإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه، ومن القضايا الإسلامية المعاصرة التي تحتاج إلى معالجات إسلامية، هي بلورة لمفاهيم حقوق الإنسان، وتسليط المزيد من الأضواء عليها، خصوصاً وأن فقهنا الكلاسيكي القديم يحتضر وفقير جدا في هذا الباب ، وهذا ما يجب أن يدفع أهل الفقه والرأي والفكر إلى إيجاد مشروع واضح المعالم حول تفاصيل حقوق الإنسان، وقبول الآخر، والاعتراف بالتعدد الديني والمذهبي، مع صياغة "فقه حقوق الإنسان" كي يمكن أهل الإسلام اليوم الارتكاز إليه كمرجعية شرعية في هذا المجال المهم، الذي يعرف تخلفا كبيرا إلى درجة نبذ الآخر بالكلية وعدم السماح له بإقامة شعائره الدينية أو بناء دور عبادته في كثير من البلاد الإسلامية، مع أن المسلمين في الدول الغربية لهم الحرية الكاملة في ممارسة حريتهم الدينية وبناء دور عبادتهم؛ بل هذه الدول تساهم في بناء المساجد والمدارس الإسلامية، مع دفع الأجور للأئمة والمشايخ والدعاة والمدرسين للغة العربية وتعليم الدين الإسلامي .