الهجرة كورقة دبلوماسية ضائعة في علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي

الهجرة كورقة دبلوماسية ضائعة في علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي

55 مليون أورو هي قيمة المساعدات المالية، التي سيتلقاها كل من المغرب وتونس من الاتحاد الأوروبي، نظير دعم مجهوداتهما في صد المهاجرين غير الشرعيين المتقاطرين على البلديْن بوتيرة مكثفة خلال السنوات الأخيرة.. والبلدان مدعوان إلى الامتنان لبيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، الذي راسل الاتحاد الأوروبي ومارس ضغوطه من أجل رفع القيمة المالية المخصصة لهما.

في البداية، قد يبدو الأمر بمثابة إنجاز ومكسب كبيرين للبلدين، من خلال اعتراف الاتحاد الأوروبي بالدور المتعاظم الذي تقوم به بعض دول البحر الأبيض المتوسط المجاورة في مكافحة الهجرة السرية؛ لكن الصورة ستتغير تماما، عندما نسلط الضوء عن المبلغ الضخم، الذي ستتقاضاه تركيا لوحدها، في مقابل الحد من تدفق المهاجرين، خصوصا منهم السوريون الهاربون من أهوال الحروب المشتعلة في منطقة الشام، هذا المبلغ يصل إلى قيمة 3 مليارات دولار، ولا ندري إن كانت قيمته سترتفع مع تطور الأحداث مستقبلا.

هذا المشهد يكشف أن المغرب، الذي يعد المتضرر المباشر من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، لا يجني من المساعدات المالية الأوروبية إلا فتات الفتات؛ في حين يقوم بدور الجدار العازل كتلميذ نجيب، لصد المهاجرين القادمين من مختلف بلدان أفريقيا، سعيا إلى العبور إلى أراضي القارة العجوز، وهو الجدار العازل الذي دعا دونالد ترامب في تصريح مثير له الأوروبيين إلى بنائه على طول الصحراء الإفريقية، لوقف تدفق المهاجرين، محاولا نقل فكرته التي من المنتظر الشروع في أجرأتها لبناء جدار عازل بين الولايات المتحدة الأمريكية وجارتها المكسيك.

إلى حدود الساعة، لم تبادر الحكومة المغربية إلى تقييم التكلفة المادية والاقتصادية، التي تنشأ عن استقبال المهاجرين وإيوائهم وترحيلهم وتسخير قواتها لمراقبتهم ومطاردتهم، وكذا التكلفة الاجتماعية والديمغرافية للبلد، مع استقرار الآلاف منهم بالمغرب.

والواضح أن هذه التكلفة ستتجاوز بكثير المبالغ الهزيلة التي يتلقاها المغرب، وقد تكون المملكة في حاجة إلى الاستفادة أكثر من أي وقت مضى من التجربة التركية، في إستراتيجيتها من أجل الضغط وتوظيف ورقة الهجرة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب والمنافع وتجاوز سياق لعب دور انتظاري دفاعي ومنكفئ على ذاته ومتحفظ إلى أبعد الحدود، وقد نبرر هذا السلوك بضعف موقفه، نتيجة مشكل الصحراء الذي يعد شوكة في حلقه ويستغلها الاتحاد الأوروبي ويوظفها أحسن استغلال؛ لكن هذا لا يعني أن يظل المغرب متفرجا على ضياع حقوقه الإستراتيجية، فحتى تركيا لها مشاكل عديدة مع الاتحاد الأوروبي، قد تتجاوز حدتها مشاكل المغرب، خصوصا فيما يتعلق بملف الأكراد ومواقف الأوروبيين من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وكذا رفضهم لتوجهات الطيب أردوغان. وعلى الرغم من ذلك، فقد أذعن الأوروبيون لشروط تركيا من أجل تلقي المساعدات المالية السخية.

ملف الهجرة هو بمثابة العنوان الأبرز حاليا في ساحة العلاقات الدولية، معطى سياسي حاسم في السياسات الانتخابية؛ فدونالد ترامب يُعَد أبرز القادة السياسيين، الذين مارسوا عليه رياضة الركمجة للوصول إلى السلطة، وها هي أوروبا لم تسلم من لسعاته، فاليمين المتطرف يزحف بثبات، لاكتساح دواليب الحكم، خصوصا في إيطاليا وهنغاريا، حتى أن بريطانيا كانت الهجرة من الأسباب الرئيسية لدفع البريطانيين إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، خوفا من استمرار فتح الحدود مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تدفق المهاجرين.

الاتحاد الأوروبي يبحث عن صيغ وحلول لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وقد أرسل إشارة أولية إلى المغرب، لجس نبضه ودعوته إلى قبول مشروع إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين بتراب المملكة؛ لكن هذه الأخيرة رفضت ذلك، غير أن واقع الحال يشير إلى أن هذا الموضوع سيطرحه الاتحاد الأوروبي مرة أخرى، وقد يلجأ إلى رفع إيقاع لهجته وإخراج أوراق ضغطه المتعددة، أبرزها قضية الصحراء المغربية وكذا مستقبل الشراكة التجارية والاقتصادية والعسكرية بين الطرفين، أو عن طريق إغراءات مالية.

في هذا السياق، سيكون المغرب أمام خيارات، أولها إما القبول باقتراح الاتحاد الأوروبي، لكن بشروط تتوخى تحقيق ضمانات مالية وسياسية مهمة، أو الإذعان الفوري من دون تحقيق امتيازات مهمة تذكر، نتيجة لضعف حيلة المفاوض المغربي، أو غياب التنسيق مع دول المغرب العربي خصوصا منها تونس وليبيا، من أجل التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشكل مشترك، يهدف إلى إيجاد حلول في إطار شامل، يضمن حقوق تلك الدول.

ملف الهجرة قد يكون من الأسباب الرئيسية التي تؤخر مشروع الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا عبر بوابة المغرب، وبالتالي تأخير جني مكاسب اقتصادية مهمة، قد تكون لها انعكاسات إستراتيجية هائلة خصوصا في بعدها الاقتصادي، ويعد اقتراح إسبانيا على المملكة من أجل مشروع التَرَشُّح للتنظيم المشترك لكأس العالم في أفق سنة 2030 بالإضافة إلى البرتغال دليلا على الحاجة الملحة إلى تعزيز الروابط الاقتصادية عبر تنفيذ مشروع الربط القاري، وقد تكون هي مناسبة وفرصة مواتية للمغرب من أجل طرح هذه الفكرة، والمضي قدما من أجل الدفاع عن مصالحه.

*كاتب ومهتم بشؤون المعرفة