على هامش "البغرير" و"الغريبة"...

على هامش "البغرير" و"الغريبة"...

ثانوية Duke Ellington للفنون بمدينة واشنطن هي ثانوية عمومية تأسست سنة 1974، وهي بالإضافة إلى تلقين المناهج والمقررات العادية يتلقى فيها التلاميذ دراسة تخصصية في أحد الفنون: المسرح، الموسيقى، الرقص، والتصميم الفني والإنتاج، والفنون البصرية...

مبنى الثانوية عبارة عن صرح تاريخي وعريق، كان مستشفى خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

في سنة 2010 قررت الحكومة الأمريكية نقل المدرسة إلى موقع آخر بدون أسباب واضحة في تمهيد مبطن لإغلاقها، لكن المجتمع المدني الأمريكي وإيمانا منه بأهميتها، رفض ذلك ودافع باستماتة عن بقاء المدرسة في مكانها بكل مكوناته وشرائحه: تلاميذ، قدماء التلاميذ، أولياء الأمور، كتاب، فنانون، مشاهير، علماء، فاعلون جمعويون رجال أعمال وسياسيون... النتيجة: تراجعت الحكومة عن قرارها، بل وأدرجت المدرسة ضمن السجل الوطني للأماكن التاريخية، بالإضافة إلى ذلك خصصت مبلغ 170 مليون دولار لإعادة تأهيل المدرسة، فأصبحت قاعة العروض التابعة لها (800 مقعد) من أحسن القاعات تجهيزا على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية، تنافس بذلك القاعات الخاصة والمملوكة لكبرى شركات صناعة الأفلام بهوليود.

تبرع بالمال للمدرسة العديد من الفنانين المشهورين، ومنهم من قدم مقتنيات شخصية ثمينة: "ستيفي ووندر" قدم آلة البيانو الخاصة به، وهي توجد الآن في بهو المدرسة، "ديف شابييل" -وهو خريج المدرسة نفسها - قدم تمثال جائزة الإيمي التي فاز بها في سنة 2018 لتوضع في خزانة المدرسة، حتى تكون مصدر إلهام للتلاميذ، "أوبرا وينفري" تقيم على حسابها الخاص حفل نهاية سنة باذخ للتلاميذ والآباء...كما أن العديد من الفنانين والعازفين المرموقين مثل "واينتون مارساليس" و"بيلي تايلور" و"ليونيل هامبتون" يدرسون تخصصات ودورات دراسية لتلاميذ المدرسة...

95 في المائة من خريجي المدرسة يتم قبولهم مباشرة في أرقى الجامعات الأمريكية، مثل "هارفارد" و"الأكاديمية الأمريكية للفنون والدراما"...

"كورال" المدرسة تلقى دعوة لتقديم عرض فني في حفلة بالبيت الأبيض أثناء الفترة الرئاسية لأوباما...

النهوض بالتعليم يتطلب مجتمعا فاعلا ومتحركا وواعيا، لا ينتظر حكومة تقوده بأهوائها بل يقودها بأولوياته.

لا أعرف فنانا مغربيا يقدم للمجتمع خدمات تهدف إلى تطوير التعليم، لم أشهد أحدهم يرمم مدرسته القديمة التي درس فيها، أو يعيد صباغتها أو يملأ مكتبتها بالمراجع والكتب.. لم أر أحدهم يجهز مطعما أو يوفر سيارات للنقل المدرسي أو يشتري محافظ أو يمنح منحا دراسية.. لم أر شركات كبرى توفر مناصب شغل خاصة بخريجي المدرسة العمومية، تساهم في تدريسهم وفي بناء مستقبلهم المهني، بل لم أر فنانا يتمنى عاما دراسيا موفقا أو يوجه كلمة تحفيزية للتلاميذ.

وحتى لو تواجدت مثل هذه المبادرات، لم أر إعلاما يزكيها ويسلط عليها الضوء، بل لم أر صفحات زرقاء تعيد نشر هذه المبادرات مثلما تنشر صور قفاطين فنانات بملابس غير لائقة...صور رحلاتهن ووجباتهن وإطلالاتهن وسياراتهن تغزو الأنترنيت، لكنهن في المقابل يقدمن رفقة فنانين آخرين الرداءة والقدوة الفاشلة، لا يقدمون للمجتمع أي خدمة، فقط يستفيدون منه، والمحزن أن أغلب معجبيهن من فئة التلاميذ والطلبة...

*أستاذ وباحث موسيقي