حكاية إهانة السيدة "مدرسة"

حكاية إهانة السيدة "مدرسة"

تاريخيا، مر النظام التعليمي بمراحل عديدة إلى أن وصل إلى الشكل الذي هو عليه في عصرنا الحالي. من تلك اللحظة التي لم يكن فيها سوى الصبي يتبع معلمه ليتلقى عنه صنعته إلى أن يتقنها، إلى اللحظة التي كان الكبير والصغير من عينة الطلبة يجلسون في حلقة من حلقات العلوم ينهلون ما يشاؤون ثم ينصرفون دون ضوابط أو شهادات، إلى تلك التي بدأ يتأسس فيها مفهوم "الطفولة" وظهور المدرسة بالشكل النظامي بتقسيم المستويات حسب الأعمار مع بداية القرن العشرين.

هذه البداية لم تكن سهلة أبدا. كانت هناك أنواع مختلفة من المدارس تختلف باختلاف الطبقات، بحيث كانت المدرسة عبارة عن آلة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية الموجودة نفسها؛ ابن العامل يُهيأ لكي يصبح عاملا وابن السيد يُهيأ ليصبح سيدا. ثم ظهر مفهوم "الاستحقاق"، الذي يسمح للمتميزين من الطبقات الضعيفة باختراق الجدار العازل وولوج التعليم العالي الذي كان حكرا على من يفوقهم اجتماعيا. ثم ظهر مفهوم "دمقرطة المدرسة" فأصبحت المدرسة للجميع، لكنها أصبحت أيضا عاملا أساسيا في توجيه مصير الإنسان الحديث وتحديد موقعه الاجتماعي.

أصبحت المدرسة للجميع، هذه الجملة البسيطة كما ترون، كانت وراءها محنة بشرية ممتدة لقرون. ورغم الوصول إليها، يخرج علينا في الستينات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو ليخبرنا بأن المدرسة ليست ديمقراطية، وأن نسبة الفشل المدرسي مرتبطة بالمستوى الاجتماعي، وذلك لأن ثقافة البيت للطبقة الاجتماعية العالية متلائمة مع ثقافة المدرسة، فعندما يذهب الطفل من هذه الطبقة إلى المدرسة لأول مرة لا يشعر بالاغتراب لأنه يعيش في وسط يهتم عامة بالكتب والفنون والعلوم التي يهتم بها التعليم أيضا.

في حين إن الطفل من الوسط الضعيف يأتي من بيئة لا تتحدث عن هذه الأشياء، فيقوم بمواجهتها لأول مرة ولكن يتم التعامل معه بالميزان نفسه الذي يتعامل به مع زميله الذي استأنس بها في بيئته الأسرية. وهناك أيضا عالم الاجتماع اللغوي البريطاني بازيل بيرنستاين الذي ظهر ليحدثنا عن التشفير اللغوي للطبقات العليا بكونه أكثر غنى ويسمح بالتنظير وتحديد التصورات، وهذه كفاءات تفرضها المدرسة، في حين إن أبناء الطبقة الضعيفة يكون تشفيرهم اللغوي محدودا ومباشرا لا يمكنهم من الاندماج مع متطلبات التعليم الذي لا يأخذ هذه الفروقات بعين الاعتبار.

يجب أن نتفق على أن كل هذا لا يعني أن هناك ثقافة أفضل من أخرى أو أن هناك تشفيرا لغويا أفضل من الآخر. هذا يعني فحسب أن هناك اختلافا بين الأطفال في انسجامهم المسبق مع الثقافة والتشفير اللغوي الذي يفرضه النظام التعليمي ولا يأخذه بعين الاعتبار. ولكن هل هذا يسمح لنا بأن نطرح سؤالا من قبيل هل الثقافة المدرسية ثقافة شرعية؟ أو هل تدريس العلوم والأدب والفنون ليس مناسبا للطبقة الشعبية لأنها لا تنسجم مع ثقافتهم الأولى التي تلقوها داخل الأسرة؟

بطبيعة الحال هذا النوع من التساؤلات غير مقبول ومن شأنه أن يقودنا إلى مزيد من تكريس الفوارق الطبقية وربما قد يعيدنا إلى ما قبل "المدرسة للجميع"!

لهذا عندما نسمع عن أوراش الإصلاح التعليمي في الدول المتقدمة فإننا لا نسمع أنها تسير في اتجاه جعل الثقافة الشعبية ثقافة معتمدة مدرسيا، ولكن نسمع عن أشياء أخرى مثل "التمييز الإيجابي" الذي بموجبه يتم اقتراح برامج مساعدات إضافية للمدارس في الأحياء الفقيرة لتقليص الفوارق الناتجة عن الثقافة المكتسبة في البيئة الأولى للطفل.

نسمع كذلك مثلا عن التمدرس المبكر الإجباري في سن الثالثة ليكتسب الطفل التشفير اللغوي المناسب للتعليم بما أنه لا يستطيع اكتسابه في وسطه الأسري.

ولكن في بلاد أخرى، تقوم بأوراش إصلاحية عظيمة في التربية والتعليم هذه الأيام، يتم السير في اتجاه مختلف تماما. اتجاه يكون الطفل فيه جالسا قرب أمه في البيت تصنع البغرير والبريوات، ثم يبدأ في الكلام فيقول لها "ماما بغيت بغرير، عطيني بريوات"، ثم يشتد عوده ويذهب إلى المدرسة فيفتح كتابه فيجد "هذا بغرير، هذه بريوات"، ثم يعود إلى البيت فتسأله أمه "ماذا تعلمت يا ولدي؟" ، فيجيبها "تعلمت بغرير وبريوات".

هذه الصورة الكاريكاتورية المضحكة المبكية تختصر حكاية قهر السيدة "مدرسة". قصة لا نختزلها في أسماء أكلات شعبية، ولكن ننظر في الأسلوب السطحي الأقرب للدارج الذي تتم به صياغة المقرر بشكل عام في توجه واضح نحو شرعنة الثقافة الشعبية داخل المدرسة وجعل الثقافة المدرسية حكرا على طبقة اجتماعية معينة. إنه فقط خروج سافر عن سكة "دمقرطة المدرسة" وأي تبرير بيداغوجي تربوي يرافقه فهو هزلي ومقيت ومؤسف.