الشباب وسؤال التمكين بين زخم الإستراتيجيات وآفاق الاندماج

الشباب وسؤال التمكين بين زخم الإستراتيجيات وآفاق الاندماج

أعاد الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لثورة الملك والشعب النقاش حول مسألة الشباب وسبل إدماجه في صلب النموذج التنموي، وتمكينه السياسي والإقتصادي والإجتماعي في أفق مواكبة الأوراش المفتوحة والمساهمة في الدفع بعجلة التنمية بالمملكة والإنخراط في دينامية الدمقرطة والتنمية المستدامة التي يشهدها المغرب خاصة بعد تنزيل دستور 2011.

ومما لا شك فيه أن الشباب يعتبر عصب التنمية ومحركها، ولا يمكن تحقيق أي إقلاع اقتصادي بدون انخراط هذه الفئة في صياغة وبلورة الإستراتيجيات والبرامج التنموية والمساهمة في تفعيلها وتتبع تنفيذها، وفي هذا السياق فقد منح دستور 2011 مكانة متميزة للشباب من خلال توسيع وتعميم مشاركتهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وتعزيز أدوارهم في صناعة القرار سواء على المستوى الوطني أو الجهوي وإرساء الآليات المؤسساتية لضمان اندماجهم في سوق الشغل .

كما نص دستور 2011 على إحداث المجلس الإستشاري للشباب والعمل الجمعوي الذي يضطلع، باعتباره هيئة استشارية دستورية، بمهام إبداء الرأي في مشاريع الإستراتيجيات والبرامج ذات الصلة بمجال النهوض بأوضاع الشباب وتطوير العمل الجمعوي، واقتراح الأليات الكفيلة بحماية الشباب وتنمية طاقاتهم الإبداعية وتحفيزهم على الإنخراط في الحياة العامة.

من جانب أخر، تضمن البرنامج الحكومي 2016 – 2021 حزمة من التدابير الرامية إلى الإشراك الحقيقي للشباب في الحياة الإقتصادية والإجماعية والسياسية وذلك من خلال مراجعة وتجويد التحفيزات القطاعية والمجالية وربطها بإحداث فرص شغل، و دعم ومواكبة المبادرات الشبابية للتشغيل الذاتي وإنشاء المقاولات و تنزيل وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب وفق مقاربة تشاركية

في المقابل، يبرز التشخيص الواقعي لوضعية الشباب في المغرب وجود العديد من الإكراهات الحقيقية التي تعيق مسار إدماج الشباب في مسلسل التنمية وضمان اندماجه الحقيقي في النسيج الإجتماعي والإقتصادي والمقاولاتي، وبالتالي فإنه يبقى بعيدا عن مرمى القرارات الإستراتيجية الوطنية الهادفة إلى خلق فرص الشغل وتسهيل الولوج إلى التعليم والتكوين وتوفير الرعاية الصحية الجيدة.

سنحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على أهم مكامن القصور التي تطبع السياسات العمومية في مجال النهوض بأوضاع الشباب باعتبارها تحديا يسائل مجموع الفاعلين العموميين والخواص، كما سنقوم ببسط مجموعة من المقاربات التي من شأنها تمكين هذه الفئة من ممارسة أدوارها في التأطيروالمشاركة السياسية والمساهمة في خلق الثروة والإنخراط بشكل فعال في الدينامية المجتمعية.

أولا – الشباب والمشاركة السياسية بين ضعف التأطير الحزبي وأزمة العزوف السياسي

يساهم التمكين السياسي للشباب في تطوير آليات ونظم الحكم الديموقراطي وترسيخ سيادة القانون والديموقراطية التشاركية ، وقد أصلت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 لهذا المفهوم في العديد من بنودها من خلال الدعوة إلى تعزيز المشاركة السياسية للشباب وتيسير ولوجهم إلى مراكز صنع القرار، كما شكلت آلية الكوطا التي تم اعتمادها بعد نضال مستميت للجمعيات الحقوقية وفعاليات المجتمع المدني مكسبا ديموقراطيا حقيقيا لهذه الفئة ، لكن كل هذا التراكم التشريعي لم يكن ليعط اكله في ظل تأثير العديد من الإكراهات التي تحف المشهد السياسي المغربي والتي نجملها كالتالي :

المتتبع للشأن الحزبي بالمغرب يمكنه أن يلاحظ بشكل جلي موسمية التأطير السياسي لفئة الشباب داخل الأحزاب المغربية، فهو مرتبط بالتصويت في الإستحقاقات الإنتخابية وتأثيث الحملات والتجمعات الخطابية.

ضعف الديموقراطية الداخلية داخل التنظيمات الحزبية أثر بشكل كبير على مستوى وحجم المشاركة السياسية للشباب في العمل السياسي، هذا بالإضافة إلى بروز ظاهرة التوريث داخل الأحزاب السياسية الشي الذي من شأنه أن يحد من فرص الشباب في تقلد المسؤوليات الحزبية والمساهمة في صنع القرار السياسي.

بالرغم من توفر البرامج الحزبية على مساحة مهمة تخصص لقضايا الشباب وانتظاراتهم إلا أن تنزيل هذه الإستراتيجيات على المستوى الإجرائي يبقى ضعيفا ومحتشما، ولا يراد بها إلا التسويق الإعلامي واستمالة اصوات هذه الفئة الشابة.

أضحت ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب المغربي انعكاسا خطيرا لحجم التهميش والإقصاء الذي يعاني منه ، ولعل النتائج التي أفرزتها الإنتخابات التشريعية والجماعية الأخيرة يبرز بشكل جلي فقدان الثقة لدى هذه الفئة في المؤسسات الحزبية وفي العمل السياسي بشكل عام، وهو ما يعزى بشكل أساسي إلى فتور العرض السياسي للأحزاب وضعف جاذبيته واستفحال الفساد الإنتخابي وهيمنة الولاءات داخل الهيئات السياسية الحزبية.

ثانيا – الشباب وتحديات الإندماج الإقتصادي بين ارتفاع معدلات البطالة وإفلاس سياسات التشغيل

عرفت معدلات البطالة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة نموا مضطردا خاصة في أوساط الشباب، فحسب الإحصائيات التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الإخبارية حول أهم مؤشرات جودة الشغل خلال سنة 2016، فإن قرابة شاب من بين أربعة شباب متراوحة أعمارهم ما بين 15 و24 سنة أي حوالي 1.685.000 شاب على المستوى الوطني لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، وهذه الأرقام المهولة تعبر بشكل جلي عن قصور السياسات العمومية في مجال التشغيل وعدم التقائيتها، فالبرامج الطموحة التي يتم صياغتها لتحقيق الإدماج الإقتصادي والمقاولاتي للشباب تبدو غير قادرة على استهداف هذه الفئة وقاصرة عن تمكين هذه الفئة من فرص حقيقية للشغل.

وتتداخل العديد من العوامل الإقتصادية والإجتماعية والمؤسساتية لتعميق أزمة التشغيل لدى الشباب في ظل ضعف انخراط الفاعلين العموميين والخواص في مسار تتبع وتقييم البرامج والمبادرات الهادفة إلى إدماج الشباب في النسيج الإقتصادي وتسهيل ولوجهم إلى سوق الشغل، ونستعرض فيما يلي أبرز هذه الإكراهات :

ضعف نجاعة وفاعلية سياسات التشغيل الرامية إلى إدماج الشباب في الحياة العملية : لم تستطع البرامج الحكومية التي تم تنزيلها للنهوض بتشغيل الشباب تحقيق الأهداف التي تم التعاقد بشأنها، فبرنامج مقاولتي على سبيل المثال والذي يهدف إلى خلق المقاولات الصغيرة لتشجيع الشباب حاملي الشهادات على الانخراط في التشغيل الذاتي لم يحقق النتائج المتوخاة منه، حيث لم يستفد من هذا البرنامج، حسب تقرير المجلس الإقتصادي والإجتماعي لسنة 2011، سوى 4000 شاب من أصل 30.000 شاب كسقف تم تحديده، وهو مايوحي إلى ضعف التتبع والتقييم والمواكبة للشباب المستفيدين من هذا البرنامج، خصوصا في مجال الولوج إلى آليات التمويل والتكوين المستمر.

من جهة أخرى، يظل تأثير آليات الوساطة العمومية في مجال التشغيل محدودا، حيث تعجز الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، رغم النتائج المهمة التي تم تحقيقها في مجال إنعاش التشغيل، عن استهداف فئات الشباب بدون شواهد والتي تشكل فئة جد عريضة من الشباب العاطل

ضعف جاذبية العمل في القطاع الخاص : رغم الجهود الحكومية المبذولة لتشغيل حملة الشواهد عبر إحداث ألاف مناصب الشغل كل سنة، وتبني سياسة التوظيف بالتعاقد لا سيما في قطاع التعليم، إلا أن سوق الشغل يبقى غير قادر على استيعاب هذا الكم الهائل من أفواج العاطلين، وهوما يساءل الأدوار المنوطة بالقطاع الخاص كشريك استراتيجي في بلورة سياسة مندمجة لتشغيل الشباب.

ومن بين الإكراهات الحقيقية التي تواجه القطاع الخاص في المغرب هيمنة القطاع الغير مهيكل على نسبة كبيرة من النشاط الإقتصادي وتشغيله لفئات واسعة من الشباب بأجور متدنية وبدون توفير التغطية الصحية والإجتماعية للأجير، هذا بالإضافة إلى الصعوبات والعراقيل التي يواجهها الشباب خلال مراحل إنشاء المقاولات الذاتية والتي غالبا ماتصطدم بتعقد وطول المساطر الإدارية وضعف المصاحبة والمواكبة لهذه المقاولات حتى تندمج في النسيج الإقتصادي.

عدم ملاءمة التكوين الذي توفره منظومة التربية والتكوين لحاجيات سوق الشغل : يشكل سؤال التكوين في علاقته بآفاق الإدماج في النسيج الإقتصادي مأزقا حقيقيا يؤرق مدبري الشأن العام، فرغم الجهود المبذولة في قطاع التربية والتكوين لتطوير النموذج البيداغوجي وتنويع مسارات التكوين، إلا أن عدم ملاءمة التكوينات مع متطلبات سوق الشغل يزيد من ارتفاع معدلات البطالة بشكل مضطرد وذلك بسبب غياب تشخيص علمي دقيق للحاجيات من اليد العاملة المؤهلة في صفوف الشباب وضعف التنسيق والشراكة بين مكونات النسيج المقاولاتي ومؤسسات التكوين المهني مما يحد من فرص الإندماج المهني والولوج إلى سوق الشغل.

ثالثا – نحو إرساء سياسة عمومية مندمجة لتمكين الشباب : المداخل الرئيسية وأليات التفعيل

إن رهان التمكين السياسي والإقتصادي والإجتماعي للشباب مرتبط بشكل متلازم بمدى قدرة المتدخلين في القطاعات الحكومية ومؤسسات الوساطة والقطاع الخاص على منح الشباب مكانة محورية في كل الإستراتيجيات القطاعية وجعله في صلب كل البرامج التنموية، وذلك عبر إشراكه في بلورتها وصياغتها وتتبع تنفيذها وتقييمها باعتباره حجر الزاوية لكل المقاربات التنموية ولن بتأتى ذلك إلا بالعمل على ضمان التقائية مختلف المبادرات العمومية ووجود إرادة حقيقية لدى الأحزاب والفاعلين الإقتصاديين والإجتماعيين لتمكين هذه الفئة من الإنخراط الإيجابي والفعال في الحياة العامة، وفيما يلي أهم المداخل الأساسية لتحقيق هذا الإندماج :

تعزيز ثقة الشباب في مؤسسات الدولة وضمان مشاركتهم الفعالة في النسق السياسي، وفي هذا الصدد فإن الأحزاب السياسية والنقابات مدعوة إلى توسيع عرضها السياسي والإجتماعي وتنويعه وذلك بإحداث قطيعة مع كل الممارسات السابقة المتسمة بالإقصاء والتهميش اتجاه هذه الفئة.

تمكين الشباب من المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام والمحلي وذلك بإرساء تعاقد حقيقي بين الدولة والجماعات الترابية باعتبارها مكون رئيسي في مسار التنمية المندمجة، لإشراكهم في تسيير المجالس المنتخبة وتثمين مبادراتهم وصقل أفكارهم العملية ومنحهم المكانة اللازمة كقوة اقتراحية حقيقية قادرة على الترافع عن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشباب دوليا ووطنيا وجهويا.

تطوير جاذبية عروض التكوين والإدماج السوسيومهني عبر تعميق التنسيق والتشاور بين مختلف المتدخلين في هذا القطاع وذلك بإجراء تشخيص ميداني دقيق لحاجيات سوق الشغل وملاءمتها مع التكوينات والبرامج الدراسية مع مراعاة الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لكل جهة .

تعزيز الإدماج المهني للشباب في سوق الشغل وتشجيع روح المبادرة الذاتية وذلك عبر تبسيط المساطر الإدارية الخاصة بإحداث المقاولات وإنشاء شبابيك خاصة لمواكبة هذه المقاولات وتسهيل ولوجها إلى آليات التمويل والتكوين المستمر.

ونافلة القول أن التمكين الحقيقي للشباب لن يتأتى إلا باستحضار البعد الجهوي في تنزيل السياسات العمومية لإدماج الشباب، باعتباره رافعة حقيقية لتحقيق التنمية، وبالتالي فإن الفاعلين المؤسساتيين والخواص على المستوى الجهوي مدعوون إلى تكثيف جهودهم وتعزيز آليات التنسيق العمودي والأفقي بالشكل الذي يتيح فرص وافرة لانخراط الشباب في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

*باحث في مجال حقوق الإنسان