حلول واقتراحات لتمويل التعليم والبحث العلمي

حلول واقتراحات لتمويل التعليم والبحث العلمي

بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين الذي جعل أمره بإقامة الصلاة في كتابه مقرونا بإنفاق الأموال في سبيله، وكررهما مقرونين للتأكيد على اقترانهما، فإذا لم تذكر الزكاة بعد الصلاة يذكر الإنفاق وهو أشمل وأعم.

مما لا اختلاف فيه ارتباط التعليم والبحث العلمي بشرط أساس وهو شرط التمويل، فكل الأنشطة العلمية بدءا من بناء المؤسسات وتجهيزها، وتوفير المدرسين، وتوفير السكن للمتعلمين وإطعامهم، وتوفير النقل والكتب...، لا بد لكل ذلك من أموال تحقق الأهداف، وكلما كانت الأهداف كبيرة كانت النفقات كذلك، وكثير من المبادرات الإصلاحية سواء الوطنية أو المحلية أو التي تتبلور داخل المؤسسة التعليمية تصطدم بعائق التمويل، فتفشل أو لا تحقق كل أهدافها، وقد تبقى مجرد فكرة ولا تنزل إلى الأرض أصلا، وفي واقعنا التعليمي الحالي هناك موردان للتمويل: الأسرة والدولة، وكلاهما قد ضاق ذرعا بثقل التكاليف والتي تتجه في منحى تصاعدي باستمرار، الدولة تعد بالمليار، والأسرة بالمليون، وما يقال عن القطاع الخاص والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني... لم يسهم بعد بإسهام واضح ملموس وله أثر، قد تكون هناك بعض الاستثناءات ولكنها تؤكد القاعدة التمويلية السابقة.

في هذا المقال أثير بعض التمويلات التي عرفها المجتمع الإسلامي قديما، ولها أثر في بعض الدول حتى في عصرنا هذا، منها دول إسلامية ومنها غير إسلامية كالولايات المتحدة الأمريكية التي يضرب غالب الناس بها المثل، وخاصة في المجال العلمي المتعلق بموضوعنا، وأهم هذه التمويلات الوقف وغيره من التبرعات التي شرعها الإسلام، وقبل التبرع هناك الزكاة الواجبة، وكيف يمكنها الإسهام في التخفيف من المشاكل التمويلية للتعليم والبحث العلمي.

حكم الوقف التعليمي عند الفقهاء

الوقف على العلم، وما يتعلق به من إنشاء المدارس ، والمعاهد ، والجامعات، والمكتبات، وصرف الرواتب على الطلبة والمعلمين مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.

فالإنفاق على العلم من الإنفاق في سبيل اللَّه وطرق الخير و البر، إذ هو من أعظم جهات البر، وقد جعل بعض العلماء الإنفاق على العلم يعدل الإنفاق على الجهاد في سبيل اللَّه، لما روى أنس رضي اللَّه عنه أن النبي قال : " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل اللَّه حتى يرجع "( أخرجه الترمذي في العلم ، باب فضل العلم (ح2649) وحسنه ). ولأن الجهاد جهادان : جهاد بالعلم والبيان، وكان هذا جهاده في المرحلة المكية .

وجهاد بالسيف والسنان ، وهذا جهاده في المرحلة المدنية مع الجهاد السابق .

قال ابن عابدين: " مطلب في حكم الوقف على طلبة العلم ... قوله : وإن على طلبة العلم : ظاهره : صحة الوقف عليهم ... " (حاشية ابن عابدين 3/387 ).

وقال الخرشي: " ويتأبد الوقف إذا قال تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على المساجد ، أو طلبة العلم وما أشبه ذلك ... "( شرح الخرشي على مختصر خليل 7/89. ).

وقال النووي : " وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس فباطل، أو جهة قربة كالفقراء، والعلماء ، والمساجد، والمدارس صح " (المنهاج مع مغني المحتاج 2/381)..

وقال البهوتي : " الشرط الثاني : أن الوقف على بر ... كالفقراء والمساكين والغزاة والعلماء والمتعلمين وكتابة القرآن ... والمساجد والمدارس..." (كشاف القناع عن متن الإقناع لطالب الانتفاع 4/245 .).

ذكرت كلام علماء من مذاهب فقهية مختلفة لتأكيد اتفاقهم وعدم اختلافهم في دخول الوقف على العلم وطلبته ومدارسه في فضل الوقف المشروع…

في مختلف ربوع العالم الإسلامي كان للوقف على المساجد والمدارس وطلبة العلم والأنشطة التعليمية المختلفة أثر كبير في النهضة العلمية التي شهدتها الأمة لقرون طويلة، في الوقت الذي كانت فيه أمم مجاورة غارقة في الجهل والتخلف، اليوم نعيش نقيض ذلك الزمن أصبحت جامعاتنا العربية عموما وليس المغربية وحدها تتذيل التصنيفات العالمية فقد حلت جامعة محمد الخامس بالرباط في صدراة ترتيب الجامعات المغربية، ضمن تصنيف دولي أمريكي لأفضل الجامعات في العالم برسم سنة 2018.

وأفاد بلاغ لجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الجامعة جاءت في الرتبة 45 على الصعيد الإفريقي، فيما احتلت المرتبة الـ801 على الصعيد الدولي من أصل 1000 جامعة... وهو نوع من الاحتفال بالدخول في التصنيف على كل حال، وهو إنجاز يبقى خيرا من عدم التصنيف أصلا بالنسبة للقائمين على الجامعة .

أما عند تصنيف أفضل 500 جامعة في العالم فهناك شبه إجماع عربي على الغياب...

ويعزينا البعض بأن تلك التصنيفات لها معايير خاصة كالفوز بجوائز نوبل وما شابه... نعم وهي جوائز علمية، فطبيعي أن تشرف أهلها وتشرف الجامعات التي درس فيها المتوجون بها...

فهل من غريب الصدف أن تكون جامعة هارفرد الأمريكية المرتبة الأولى عالميا هي الجامعة الأولى عالميا في الوقف كذلك؟ مما يسوغ السؤال عن حجم الوقف في الجامعات الغربية؟ وما المانع من توجيه أموال الأوقاف في الدول الإسلامية لخدمة العلم؟

2)الوقف على الجامعات الغربية

"يتفاوت التمويل الوقفي من حيث حجمه من بلد إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى، ويبلغ حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي في أميركا 118.6 مليار دولار، كما بلغ حجم وقفيات جامعة هارفارد مثلا 36.9 مليار دولار في السنة المالية 2008 ، فيما بلغت قيمة وقفيات جامعة كامبردج في بريطانيا نحو 8.2 مليار دولار، وجامعة أكسفورد نحو 5.7 مليار دولار و المعهد السويسري للتكنولوجيا مليار واحد ويبلغ في جامعة كيوتو فقط في اليابان 2.1 مليار دولار، بينما يبلغ وقف الجامعات الكندية 5 مليارات دولار، في الوقت الذي يبلغ فيه الوقف فقط في 10 جامعات بريطانية 30 مليار دولار . ويختلف مصدر التمويل الوقفي من جامعة لأخرى فتعتمد الجامعات الأمريكية في تغذية أوقافها من مداخيل الهبات الخاصة بالأفراد والمؤسسات والهيئات الاجتماعية، بينما تعتمد معظم الجامعات الأخرى على المساعدات الحكومية بالدرجة الأولى بصورة تعكس الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما لا تخلو من دعم الهيئات الاجتماعية والأفراد."(مقتطف من مقال زين العابدين حامدي الشريف منشور في مدونات الجزيرة) ولمن يرغب في التوسع في هذا الباب فهناك كتاب منشور على الإنترنت بعنوان : "الوقف على التعليم في الغرب" للدكتور إبراهيم الحجي، حافل بالمعلومات والأرقام التي بالتأكيد تدهش من يطلع عليها لأول مرة، وتزيد من أسف المطلع على حالنا، ونحن الأمة التي شرع الله لها بعد فريضة الصلاة فريضة الإنفاق في سبيل الله بجميع أنواعه، ومن أعظم أنواع الإنفاق أثرا الإنفاق في العلم. ويكفي أن أسماء بعض هذه الجامعات المشهورة ما هي إلا أسماء لمن تبرعوا بإنشائها وتمويلها كجامعة هارفرد ، وستانفورد(بلغت أوقافها 17 مليار دولارسنة 2012 (الوقف على التعليم في الغرب ص50) وترتب ثانية(تصنيف QS )أو ثالثة أو خامسة حسب مختلف التصنيفات. هارفرد وستانفورد... أسماء أشخاص قبل أن تصير أسماء جامعات تتبوأ المراتب الأولى عالميا. فالسؤال المنطقي هنا أين هي أموال أغنيائنا وأثريائنا من مثل هذه المكارم ؟ ولو وضع تصنيف عالمي لمصاريف الأغنياء في الحملات الانتخابية وغيرها من مظاهر البذخ ...فالأكيد أن أصحابنا لن يقع ترتيبهم بعد 500 فقد يحصلون على المراتب المتقدمة...

3)دور الأوقاف في حركة التعليم

لعل المطلع على تاريخ التعليم الإسلامي يلمس بوضوح الدور الفاعل والمؤثر الذي قامت به الأوقاف التعليمية في نمو واتساع الحركة التعليمية، نموًا متسارعًا أدى بها في نهاية المطاف إلى تحقيق نهضة علمية واسعة كان لها أثر في شتى المجالات العلمية والعملية، لاتسام هذه الأوقاف بالعديد من المزايا التي يمكن تحديدها بما يلي:

ا)أنها مصدر تمويل ثابت ومستقر:

يتميز الوقف بأنه مصدر ثابت تتلقى منه المؤسسة التعليمية كل ما تحتاجه من مصروفات ونفقات، وهذا الثبات هو الذي ساهم في تثبيت أركان المدرسة ومكنها من القيام برسالتها، حيث كان الريع الذي تغله الأعيان الموقوفة على المدرسة شهريًا أو سنويًا نقدًا أو عينًا هو ضمان استمرار العمل المدرسي وبفضل تميز الوقف بالثبات، لم تكن حياة المدرسة وغيرها من المؤسسات التعليمية رهنًا بحياة مؤسسها إذ إن في الوقف ما يضمن استمرارها حتى بعد وفاته…

ب) تحقيق الاكتفاء الذاتي للمؤسسة التعليمية:

أسهم الوقف بما يدره من عائدات في توفير احتياجات المؤسسة التعليمية الموقوف من أجلها حيث ينفق ريع الوقف في الأوجه المقرر صرفها والتي تضمن الوفاء بمتطلبات المؤسسة سواء من حيث رواتب المعلمين، أو مكافآت الطلاب، أو متطلبات الصيانة وغيرها من لوازم المؤسسات التعليمية، وقد أدى هذا الريع الوافر إلى اكتفاء المؤسسة التعليمية بوقفها…وهذا ما أدى إلى استغناء المؤسسات التعليمية عن الدعم المالي من الدولة أو من بيت مال المسلمين …كما أدى هذا الاكتفاء إلى تحقيق نوع من حرية التعليم واستقلالية العلماء فيما يقومون بتدريسه دون وصاية من الدولة إلا من الشروط التي وضعها الواقف…

ج) تطوير نظام التعليم:

لم يكتف الوقف بدوره كمصدر تمويلي للمؤسسات التعليمية؛ وإنما أسهم إسهامًا فاعلًا في تطوير النظام التعليمي من خلال تلك الاشتراطات التي يضعها الواقفون في سير الدراسة في المدارس التي يقفونها حتى يمكن القول أن وثيقة الوقف أو كتاب الوقف كان أشبه ما يكون باللائحة الأساسية للمؤسسة التعليمية أو النظام الداخلي للمدارس.

وكان للشروط التي يضعها الواقفون أثر في كيفية سير الدراسة بالمدرسة وذلك بما تتضمنه من تنظيمات مالية وإدارية من حيث شروط القبول في هذه المدارس والكتب المعتمدة للتدريس، وإعداد الطلبة في كل تخصص وغيرها من التنظيمات….

د) توفير المؤسسات التعليمية:

…غالبا ما نجد أن توفير المبني التعليمي سابق للوقف الذي يوقف عليه، إذ جرت العادة أن يقوم الواقف بإنشاء المؤسسة التعليمية وإعدادها للعمل التعليمي، ومن ثم وقف الأوقاف المدرة على هذه المؤسسة بما يضمن استمرار نشاطها.

ولقد أدت حرية التعليم إلى مسارعة الخيرين القادرين من أبناء المجتمع الإسلامي بإنشاء المؤسسات التعليمية والوقف عليها، ولعل مرد ذلك – فضلًا عن الدافع الديني – هو الدافع المعنوي الكبير المتمثل في تسمية هذه المؤسسات التعليمية بأسماء منشئيها.

وهو الأمر الذي يمثل تكريمًا حقيقيًا لهم، وتشجيعًا للآخرين على الإسهام والتبرع لضمانهم إحياء أسمائهم وذكراهم – حتى بعد موتهم – بما يحقق الدعاء لهم والترحم عليهم.

هـ) تعميق روح المسؤولية:

فقد أدت الأوقاف إلى تنامي روح المسؤولية تجاه التعليم من قبل أبناء المجتمع الإسلامي، حيث تدل ضخامة الأوقاف على التعليم على معنى المسؤولية الفردية والشعبية عن التعليم إدارة وتمويلًا، ومن منطق هذه الروح المسؤولة نجد أن واقفي الأوقاف كانوا من الخلفاء أو السلاطين والأفراد والتجار والعلماء والقضاة والنساء وغيرهم من أبناء المجتمع الإسلامي، ولقد أدى تنامي هذه المسؤولية إلى مسارعة الكثيرين من أبناء المجتمع المسلم إلى وقف الأوقاف على مدارس أو مؤسسات سبق أن شيدها غيرهم، بل لقد أدى تنامي هذه الروح و…امتد إلى إنشاء المدارس الطبية وغيرها، وشمل التعليم الكبار والصغار، والرجال والنساء…:( مقتطفات من الوقف.. أهم مصادر تمويل التعليم في التاريخ الإسلامي لسعد سعيد جابر الرفاعي مقال منشور في مجلة المعرفة مع بعض التصرف)

4)مقترحات لتمويل التعليم والبحث العلمي

أولا: أموال الزكاة

ذكر الله تعالى في آية مصارف الزكاة من يستحقها، ومنهم الفقراء والمساكين ومن عليهم ديون، وابن السبيل والمجاهدون في سبيل الله، وأغلب هذه المصارف تشمل طلبة العلم فمنهم الفقير والمسكين والمدين والمسافر البعيد عن بلده (ابن السبيل)وتشمل كثيرا من أسرهم، فما أكثر الأسر التي أفقرها تمدرس أبنائها فأصبحت من الفقراء والمساكين والغارمين(المدينين)،

وقال الدكتور يوسف القرضاوي: المتفرغ للعلم يأخذ من الزكاة،فإذا ما تفرغ لطلب علمٍ نافعٍ،وتعذر الجمع بين الكسب وطلب العلم،فإنه يُعطى من الزكاة قدر ما يعينه على أداء مهمته،وما يشبع حاجاته، ومنها كتب العلم التي لا بدَّ منها لمصلحة دينه ودنياه.وإنما أُعطي طالب العلم،لأنه يقوم بفرض كفاية، ولأن فائدة علمه ليست مقصورةً عليه، بل هي لمجموع الأمة.فمن حقه أن يُعان من مال الزكاة،لأنها لأحد رجلين:إما لمحتاجٍ من المسلمين، أو لمن يحتاج إليه المسلمون،وهذا قد جمع بين الأمرين.واشترط بعضهم أن يكون نجيباً يُرجى تفوقه ونفعُ المسلمين به، وإلا لم يستحق الأخذ من الزكاة ما دام قادراً على الكسب،وهو قولٌ وجيهٌ. وهو الذي تسير عليه الدول الحديثة حيث تنفق على النجباء بأن تتيح لهم دراساتٍ خاصةٍ، أو ترسلهم في بعثاتٍ خارجيةٍ أو داخليةٍ]فقه الزكاة 2/560-561.

في انتظار أن يرى صندوق الزكاة النور والذي يتم الحديث عنه أحيانا ويطوى أخرى، يمكن للأغنياء تخصيص جزء من زكاة أموالهم لحل بعض المشاكل التعليمية، بإنفاقها على المتعلمين والطلبة المحتاجين وتوفير بعض حاجياتهم كالكتب والطعام والسكن...

ثانيا: أموال الأوقاف الحالية مورد كبير

الوقف في مجتمعنا قديم، فلن نبدأ من الصفر، و أقصد هنا الأوقاف التي وقفها المغاربة منذ قرون على المساجد والمدارس وطلبة العلم، وعلى الكراسي العلمية وما أشبه فجل هذه الأوقاف فيها نصيب للتعليم، والمعروف أن وزارة الأوقاف تعد من أغنى الوزارات بهذا الاعتبار، رغم تراجع الوقف في الثقافة المغربية المعاصرة، وذلك لتراجع أثره المشاهد فبقي محصورا في المساجد وخاصة ما يرافق بناءها من إنشاء محلات تجارية لتكون موردا لمصاريف المسجد وأجرة الإمام...

فيمكن استثمار وثائق الأوقاف التي نص واقفوها على إنفاق غلات أوقافهم على المدارس أو على طلبة العلم أو العلماء، أو ما شابه، فتصرف على المدارس وطلبة العلم في المدن أو القرى التي وقفت بها تلك الأوقاف، أو ما يمكن تسميته بلامركزية الوقف، فالمعروف أن الوقف يصرف حسب شروط ورغبة الواقف، واستفادة المتعلمين والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعات القريبة من مكان الوقف أولى من غيرها. وقد تدل وثائق الأوقاف على شمول بعضها لبعض النفقات التعليمية المعاصرة كالمطاعم المدرسية والداخليات...وما لايشمل قد يعمل فيه بتحويل الوقف أو نقله وقد أجازه العلماء ومن ذلك قول الدسوقي المالكي : "وأما كتب العلم إذا وقفت على من لا ينتفع بها كأمي أو امرأة ، فإنها لا تباع وإنما تنقل لمحل ينتفع بها فيه كالكتب الموقوفة بمدرسة معينة فتخرب تلك المدرسة وتصير الكتب لا ينتفع بها فيها فإنها تنقل لمدرسة أخرى ولا تباع."

وذكر الحطاب المالكي مثلاً لذلك فقال : "وقعت بتونس حبس الأمير أبو الحسن كتبا لمدرسة ابتدأها بالقيروان وأخرى بتونس، وجعل مقرها بيتا بجامع الزيتونة ، فلما أيس من تمامها قسمت الكتب على مدارس تونس ".

وقال الشربيني الخطيب الشافعي : "لو وقف على قنطرة ، وانحرف الوادي وتعطلت القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى جاز نقلها إلى محل الحاجة ".

وسئل السيوطي الشافعي عن نقل الكتب من الخزانة المحمودية - مع أن الواقف شرط أن لا تخرج من المدرسة- فأجاب: "الذي أقول به : الجواز"

لأن قصد الواقف النفع والبر وقد لا يحصل إلا بالنقل والتحويل، أما تعطيل الوقف أو خرابه فيفوت نفعه، ويقطع أجر واقفه لتعلقه باستمرار نفعه.

ثالثا: تشجيع قيم الوقف والتبرع لفائدة التعليم

وحتى تعود هذه القيم إلى ما كانت عليه فالأمر يستدعي تضافر الجهود من مختلف وسائل التوعية والتربية وأهمها المساجد والمدارس والإعلام حتى يرجع المجتمع إلى الاهتمام بالشأن التعليمي بتمويله بالتبرعات المختلفة، وإن كان الوقف أهمها، فهناك الصدقة والهبة والوصية والمشترك بينها هو التبرع وبذل المال في سبيل الله...ليصير الإنفاق على العلم ثقافة مجتمعية وهمّا جماعيا يسهم فيه أفراد المجتمع على حسب القدرة والطاقة...

رابعا: استثمار واجهات المؤسسات

كثير من المؤسسات التعليمية خاصة التي تقع بالمدن لها واجهات على شوارع كبيرة، وتجد خلف الأسوار مساحات شاسعة لا تستغل، ولو تم اقتطاع بضعة أمتار على غرار المحلات التجارية التي تقتطع من مساحات المساجد التي لاتقارن بمساحات المؤسسات التعليمية، لأقميت عليها محلات في واجهة المؤسسة تدر عليها مداخيل تكفي للصيانة وتدبير أمورها طوال السنة الدراسية، على سبيل المثال بناء عشرة محلات وكراؤها بما بين 1000درهم و 2000 أو أكثر حسب الموقع والمساحة طبعا، يمكن توقع مداخيل بآلاف الدراهم شهريا....وهناك مؤسسات طول واجهاتها يعد بمآت الأمتار بدون طائل...

خامسا: استثمار المساحات الفارغة

أغلب المؤسسات التعليمية تتوفر على مساحات فارغة غير الملاعب الرياضية والحديقة...فيشرع السؤال لماذا تهدر منفعة تلك الأراضي؟ فيمكن زرعها أوغرسها بأشجار مثمرة وتكون غلتها موردا للمؤسسة كالمثال السابق ، أو بناء جزء منها وكراء الدور للأساتذة فيتحقق النفع مضاعفا بضمان استقرار المدرسين، وتخفيف عناء البحث عن السكن، وتوفير سكن آمن خاصة بالنسبة للأستاذات غير المتزوجات...ومع كل ذلك توفير موارد مالية مهمة للمؤسسة...

سادسا: استثمار القاعات

قد يستغرب البعض هذا المقترح أو يسخر منه ولكن لا يهم، فالقاعات الدراسية يمكن استثمارها في دروس الدعم التي يؤديها المتعلمون بأثمنة باهضة خارج المؤسسة وأصبحت شرا لا بد منه، وتستنزف جيوب الأسر بما في ذلك الأسر الموصوفة بالمتوسطة أو الغنية، فيمكن التفكير في آلية لتنظيم وضبط الدعم المؤدى عنه داخل المؤسسات بأثمنة معقولة يستفيد منه المتعلم(بتخفيف الثمن وتفادي التنقل...) ويستفيد المدرس والمؤسسة، وتستغل قاعات المؤسسة خارج أوقات العمل (بعد السادسة مساء...أيام الأحد وأيام العطل..)

كما يمكن كراء القاعات خارج أوقات العمل لأنشطة الجمعيات والإدارات كأنشطة التكوين، وعقد اللقاءات ...على غرار تنظيم المخيمات الصيفية في بعض المدن ، وهي تجربة ينبغي تعميمها لتيسير السياحة الداخلية وخاصة بالنسبة لرجال التعليم في كل عطلة مدرسية، فتصبح العطل موردا ماليا للمؤسسة ...

ويمكن لمثل هذه الاستثمارات أن توفر مناصب شغل لتسييرها وضبط حساباتها وإنقاذ وظيفة المقتصد من الانقراض...

سابعا: مبادرة الأغنياء

لاشك أن الوقف الذي ذكرت سابقا في الغرب ثمرة تراكم لثقافة مجتمعية أسهم المشاهير من أغنيائهم في ترسيخها كهارفرد وغيره، فإذا كان غير المسلم تدفعه دوافع معينة للوقف والتبرع قد يكون منها حب وطنه أو حب الشهرة أو حب العلم...، فعند المسلم أكبر من ذلك وهو حب الله وحب الجنة وحب الأجر العظيم باعتبار الوقف من الصدقة الجارية التي يجري على الواقف أجرها ما دام الناس ينتفعون بصدقته، وقد ينقطع أجر جل الصدقات ولا ينقطع أجر الصدقة العلمية لاستمرارها جيلا بعد جيل.

لأغنيائنا مبادرات حميدة في بناء المساجد وتجهيزها، ومساعدة الفقراء، وعلاجهم ...و من المبادرات المأمولة أن يفكروا في مؤسسات بلا مرافق صحية أو بلا مكتبات، أو بلا نوافذ...وفي تلاميذ لا يستطيعون إكمال دراستهم، وآخرين يدرسون في ظروف مزرية بسبب الفقر أو البعد، أو الإعاقة، أو الجوع أو المرض... مما يرفع أرقام الهدر المدرسي والجامعي إلى مستويات قياسية، وفي مدرسين قضوا أعمارهم في التدريس وورثوا من المهنة أمراضا عقلية أو عصبية أو عضوية... وبعد العجز والمرض أصبحوا عرضة للنسيان والإهمال أو حتى للتشرد في بعض الأحيان...

أختم بأن هذه الحلول لا تغني عن تدخل الدولة بتخصيص ميزانيات أكبر وتفي بتحقيق ما يسطر من الأهداف، بالإضافة إلى إسناد المسؤوليات المالية للمشهود لهم بالكفاءة والنزاهة لضمان حسن التدبير، والقضاء على الفساد والتبذير وغيرها من الآفات التي أصابت ميزانات ضخمة رصدت لمشاريع تربوية سرعان ما تبخرت...فقبل البحث عن مصادر جديدة يجب ترشيد الموجود منها، ولكن فكرة المقال أن هناك مصادر يمكن الاستعانة بها لأن تعليمنا استثمار في أبنائنا وكلما أنفقنا فيه أكثر ربحنا أكثر، وما تقدمت أمة إلا باستثمار الأموال في تعليم أبنائها، فيأتيهم العلم بالأموال من كل أنحاء الدنيا...

*أستاذ التربية الإسلامية ، وباحث في الدراسات الإسلامية