حوار مع صديق أنكر على الحجاج حقهم في التشكي

حوار مع صديق أنكر على الحجاج حقهم في التشكي

علّق أحد الأصدقاء الأفاضل على احتجاج الحجاج المغاربة عن سوء معاملتهم بالديار المقدسة، بقوله كان حريا بالحجاج أن يتجنبوا الدخول في هاته الأشكال الاحتجاجية وأن يتفرغوا للمناسك وللعبادة وأن يتركوا أمر الأكل والشرب حتى يعودون إلى ديارهم، منكرا عليهم حقهم في الاحتجاج.

المشكل، يا سيدي، ليس مسألة أكل وشرب؛ بل مسألة فساد واستبداد وسرقة أموال الناس بالباطل، في أقدس ركن من أركان الإسلام وفي شهر من الأشهر الحرم.

إن الديار المقدسة، منذ زمن بعيد قبل مرحلة النبوة وبعدها، كانت وزوارها تحظى بحرمة خاصة وعناية مركزة وخدمة من قبل أعيان البيت العتيق؛ بل كانوا يتنافسون ويتسارعون من سينال شرف سقاية الحاج وخدمته. أليس من حق الحجاج أن يسائلوا المشرفين عن إدارة مناسك الحج عن أموالهم الباهظة فيما تصرف والتي تعد الأكثر ارتفاعا مقارنة مع باقي الدول؟ أليس عدلا أن يطالبوا معاملتهم كإنسان عوض تعريضهم للإهانة والتحقير والغبن، ينامون بجانب المراحيض ويطعمون الطعام الفاسد النتن، ويتيهون في شعاب مكة تحت ألسنة الشمس الحارقة لا مركب مريح ولا مرشد معين على قضاء المناسك، ولا تطبيب يليق بالمقام؟ أليس من حق الحجاج أن يطرحوا علامة استفهام على السلطات المغربية بأي حق يفرضون عليهم تسليمهم تكاليف الحج قبل موعدها بسنة كاملة؟ من يستفيد من هاته الأموال، ومن يستثمرها، وأين يذهب ريعها وأرباحها وما هي أوجه إنفاقها؟ أين هو دور المجلس الأعلى للحسابات في فرض رقابته على هاته الأموال؟

لا، يا سيدي، الصبر مطلوب في سياق معين؛ لكن الساكت عن الحق شيطان أخرص: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين".

يا سيدي، الدفاع عن القيم والأخلاق والحقوق المهضومة والكرامة المدوسة من قيم الدين الإسلامي.. بهاته القيم ننشد العدل في الأرض، ونطلب الصلاح، وندحر الفساد عليها، ونقول للمفسدين كفى طغيانا وفسادا.

احتجاج الحجاج على رداءة الخدمات من قبل المشرفين على الحج لا يناقض أمر الله تعالى في كتابه: "فلا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج"؛ بل المنهي عنه هو المجادلة بالباطل. أما المجادلة بالتي هي أحسن لبيان الحق، فهذا مما أمر الله به في قوله: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن".

نهمس في أذن من يهمه الأمر ونقول لهم: لقد كان أهل قريش أحرص الناس على خدمة حجاج بيت الله وهم على دين الكفر. نقول لهم تذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا في مسجد المدينة، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل"، رواه الطبراني وابن أبي الدنيا وحسنه الألباني.

يا سيدي، هل من حق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تفرض على الحجاج الذين اختيروا في القرعة لقضاء مناسك الحج عن موسم 2018 بالتوقيع على التزام يتعهدون فيه بعدم الاحتجاج على الخدمات التي ستقدم لهم في الديار السعودية، من خلال التوقيع في مصلحة تصحيح الإمضاءات بالمقاطعات على مطبوع يحمل شعار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ويتضمن التزامات بعدم الاحتجاج على خدمات الإقامة والنقل والأكل خلال تأدية شعائر الحج، فضلا عن التزام الحاج بعدم الاحتجاج على ظروف الإقامة مهما كانت وعلى الازدحام في وسائل النقل وعلى جودة الوجبات الغذائية المقدمة طيلة فترة الحج، معتبرة أن التوقيع على المطبوع يعد إلزاميا لإتمام ملف الحج.

كيف يمكن للمغاربة أن يحترموا وزارة تصدر في يوم واحد بلاغين متناقضين: الأول ينفي ويكذب تعرض الحجاج المغاربة لسوء المعاملة، والثاني يؤكد الواقعة ويفتح تحقيق في الموضوع.

يا سادة، احفظوا للحجاج حرمتهم، وللمغاربة كرامتهم واحترموا ذكاءكم لقد ولى زمن الاستبلاد وآن الأوان أن يرحل عنا زمن الفساد والاستبداد.