الكفاءات المغربية في الخارج ودورها في مشروع إصلاح منظومة التربية والتعليم

الكفاءات المغربية في الخارج ودورها في مشروع إصلاح منظومة التربية والتعليم

سبق وأن أشرنا في مقالات عديدة سابقة أن إصلاح المنظومة الاقتصادية رهين بإصلاح منظومة التربية والتعليم وكذلك بالمنظومة الاجتماعية، إذ لا يمكن أن يحقق بلدنا إقلاعا حقيقيا في مساره التنموي دون الاعتماد على بنية اقتصادية مُحكمة صحيحة وواعدة. والمتتبع لمسار إصلاح منظومة التربية والتعليم يلاحظ بأن هذا المشروع الذي يفترض أن يكون مبنيا على مقاربة توافقية بين أهداف الميثاق الوطني للتربية والتعليم وكذلك مضامين الخطة الإستراتيجية الإستعجالية لإصلاح هذه المنظومة لازال يتخبط في الرد على الأسلة الجوهرية التي ما فتئ يطرحها الخبراء والمتخصصون في هذا المجال ألا وهي:

- من أين يجب أن نبدأ عملية الإصلاح؟

- ما الذي ينبغي إصلاحه؟: هل هي الهيكلة العامة للمنظومة، أم البرامج والمناهج، أم إعادة النظر في تكوين أولئك المسؤولين وأيضا القائمين على العملية التعليمية (المعلمين والمدرسين) على مستوى الحجرة الدراسية الفعلية؟.

- لماذا تُصرف الأموال الطائلة ونجد ضعفا في المردودية؟ هل هناك خلل في التدبير أم في طرق التدريس والتلقين؟.

- من الذي يجب أن تسند إليه عملية الإصلاح تلك؟

- أين هو دور الكفاءات المغربية في الخارج، وهل بدأ المغرب يفكر فعلا وبصراحة في كيفية إدماج خبراءه في علوم التربية والتعليم من أبناءه في الخارج؟

لاشك أن هنالك سببا جوهريا دفع بصاحب الجلالة الملك محمد السادس (نصره الله) أن يعاود طرح إشكالية تعثر قطاع التربية والتعليم، وذلك لأن معضلة المنظومة التعليمية أصبح لها تأثير مباشر على المجتمع ككل، إذ أن المخرجات لا تفي بالغرض ولا تغذي سوق الشغل باليد العاملة المطلوبة وبالكيفية الصحيحة السليمة، حيث أكد جلالته من خلال خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب، أنه "لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين، خاصة في بعض الشعب الجامعية، التي يعرف الجميع أن حاملي الشهادات في تخصصاتها يجدون صعوبة قصوى في الاندماج في سوق الشغل. وهو هدر صارخ للموارد العمومية، ولطاقات الشباب، مما يعرقل مسيرات التنمية، ويؤثر في ظروف عيش العديد من المغاربة".

ولقد أصبح جليا أن مردودية المؤسسات التربوية والتعليمية قد أصبحت هزيلة لا تواكب طموحات أبناء هذا الوطن رغم كل الجهود المبذولة والأموال التي تصرف على هذا القطاع، فهل الخلل يكمن في التسيير والتدبير أم في التكوين نفسه، أم في العقلية القديمة المحتكرة للمناصب والتي ترى في الخبراء من أبناء الجالية تهديدا لمصالحها الشخصية؟.

لابد من إيجاد حلول عملية وواقعية إذا وأن تسند عملية الإصلاح هذه إلى الخبراء الذين يتم اختيارهم بعيدا عن كل المزايدات السياسية والحزبية والنقابية، ونتجاوز آفة المحسوبية والزبونية لأن الأمر هو منا وإلينا شئنا أم أبينا، كما يجب إشراك خبراءنا من الكفاءات المغربية وتسهيل عملية إدماجهم في سوق الشغل والتسيير والتدبير والاستشارة مع منحهم رواتب ومميزات مشجعة لأن المثل الشعبي يقول "يد وحدة ما كتصفق".

وللإشارة يجب التركيز على المنظومة الأخلاقية بموازاة مع إصلاح منظومة التربية والتعليم لأنه لا فائدة من وضع نظام تربوي وتعليمي يسعى إلى تكوين فرد أجوف (Shallow person) عديم الأخلاق لا خير فيه ولا في تعليمه ولا خدمته للمجتمع. ومن هذا المنطلق يجب أن يكون لدينا مشروعا موازيا يهدف إلى تحسين وتهذيب الأخلاق وتحسين صورة الشارع الذي هو المدرسة الثالثة بعد الأم والمدرسة العمومية، إذ يجب أن يرى الطفل شارعا نظيفا خاليا من الإجرام والموبقات والعنف والسب والشتم علنا ودون حياء، شارعا يمشي ويلعب فيه الطفل بكل حرية وعفوية وطمأنينة وسلام.

وكما أضاف جلالة الملك نصره الله في خطابه أمس الاثنين، أنه "رغم كل الجهود والأوراش الاقتصادية، والبرامج الاجتماعية المفتوحة، فإن النتائج المحققة، تبقى دون طموحنا في هذا المجال. وهو ما يدفعنا، في سياق نفس الروح والتوجه، الذي حددناه في خطاب العرش، إلى إثارة الانتباه مجددا، وبكل استعجال، إلى إشكالية تشغيل الشباب، لاسيما في علاقتها بمنظومة التربية والتكوين".

وفيما يخص تعليم اللغات الأجنبية، فقد أشرنا في مقالات عديدة سابقا بأن الكل أصبح يحس ويعي بأنه أصبح يعيش اليوم في قرية عالمية تعرف ثورة تكنولوجية وزخما عارما من المعلومات على جميع الأصعدة وفي كل الميادين والمجالات، والشخص الأمي اليوم هو من لا يدري ما يُحاك حوله وهو يمشي كالأبله، ولذلك أصبح حتميا تشجيع تعلم اللغات الأجنبية دون التقليل من قيمة وفائدة اللغة الأم، كما أصبح لزاما على الوزارة المعنية إدماج مهارة التفاعل مع الغير عبر برامج تدريبية وتأهيلية تركز على تلك المهارة (Intercultural Competence: ICC) والرجوع إلى الخبراء في ذلك المجال. ولذلك طالب جلالة الملك نصره الله في الخطاب ذاته، بـ"ضرورة إعطاء الأسبقية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد نظام ناجع للتوجيه المبكر، سنتين أو ثلاث سنوات قبل الباكالوريا، لمساعدة التلاميذ على الاختيار، حسب مؤهلاتهم وميولهم، بين التوجه للشعب الجامعية أو للتكوين المهني"، مشيرا إلى "إجبارية تأهيل الطلبة والمتدربين في اللغات الأجنبية لمدة من ثلاثة إلى ستة أشهر، وتعزيز إدماج تعليم هذه اللغات في كل مستويات التعليم، وخاصة في تدريس المواد التقنية والعلمية".

وفي الختام، نعود ونقول بأنه حان الوقت لكي يكون مشروع إصلاح منظومة التربية والتعليم مشروعا وطنيا تساهم وتشارك فيه كل فئات المجتمع (كل حسب تخصصه) دون أي مزايدات سياسية أو حزبية أو غيرها، والاعتماد على الكفاءات المغربية المتواجدة بالخارج والتي نهضت بأرقى الجامعات والمؤسسات التربوية في العالم ويرجع لها الفضل في ذلك، وعلينا أن لا نغفل عن إصلاح الشارع (كما أشرنا سابقا) كونه الوعاء أو المدرسة الثالثة للطفل، وكذلك إصلاح المنظومة الأخلاقية التي تضمن لنا الحفاظ على الهوية والمواطنة الحقة والسلوك السوي وتنشر حب فعل الخير والإحسان والأمن والسلام.

ولابد أيضا من رد الاعتبار للعلوم الإنسانية بكل تخصصاتها، دون التركيز على التخصصات العلمية فقط، وكذلك الاهتمام بمادة الفلسفة ومادة التربية الإسلامية، وتسهيل الحصول على وظيفة دون تمييز لحاملي شهادة التخرج في تلك التخصصات لأن ذلك سوف يكون هو المدخل الفعلي الذي يُمكّن الشباب من العيش بكرامة وفي ظروف حسنة وجيدة، مع التركيز على تعليمه والرقي به وتمكينه من الآليات والأسس التي تجعله قادرا على تحمل المسؤولية والأخذ بزمام المبادرة وولوج عالم الشغل وإبراز كفاءاته وقدراته ومهاراته، بما يكفل تحقيق رغباته وأحلامه وطموحاته وأمانيه ويساهم بشكل مباشر في ازدهار بلده وتنميته.

لقد حان الوقت كي نفكر جميعا وبصدق وجدية وشفافية في اتخاذ إستراتيجية جديدة، وإيجاد مخارج جديدة تنبني على المهنية والابتكار وتقديم حلول، دون الاتكال على الدراسات التي أكل عليها الدهر وشرب وشاب الغبار ملفاتها في رفوف بعض المؤسسات والوزارات.

وبما أن التعليم هو حق مشروع لكل فئات المجتمع، فيجب الحفاظ على مجانيته وبمستوى عالي فيما يخص الجودة ورد الاعتبار للمدرسة العمومية، مع العلم أن الاستثمار الحقيقي لابد أن يكون في التعليم الأساسي أو الابتدائي وليس في الجامعات فقط، لأن المدرسة الابتدائية هي الأساس والركيزة التي يجب أن ينبني عليها التعليم كي نضمن حياة اجتماعية كريمة للشباب عوض اعتباره مصنعا للبطالة، ومعوقا للاستثمار. وأخيرا يجب أن لا ننسى أن بلدنا كان بوابة العالم في ميادين كافة العلوم التي اكتسحت العالم الإسلامي والغربي أيام حكم المسلمون الأندلس، قد حققوا بذلك ثورة لازال العالم يشهد بمعطياتها، فلنجعل من خطاب جلالة الملك نصره الله انطلاقة فعلية وحقيقية لمشروع إصلاح شامل للمنظومة التربوية والتعليمية وكذلك المنظومة الأخلاقية والاجتماعية معتمدين في ذلك على الله ثم على العقول والكفاءات المغربية في الداخل والخارج التي لها غيرة على هذا الوطن ومعتمدين معايير الجودة الشاملة في جميع مراحل مشروع الإصلاح هذا.

"أكعاون ربي" ،،،،

*خبير دولي في مجال التربية والتعليم، مستشار

[email protected]