خطبة عرفة..دروس في حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية

خطبة عرفة..دروس في حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية

كانت خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في جبل عرفة، وفي يوم عرفة بمثابة البيان العالمي الأول لحقوق الإنسان؛ بحيث صلى الله عليه وسلم وقف معلنًا في هذا اليوم المشهود في حجة الوداع معلنا أمام الأشهاد أن حرمة الدماء والأموال، وهما أهم الأشياء التي يسعى الإنسان للحفاظ عليهما، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".

إنه يحرم صلى الله عليه وسلم تمامًا أن يتعرض أحدٌ لدم أحدٍ أو ماله..كما يمنع مطلقا أن يُؤخذ أحدٌ بجريرة إنسان آخر، فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام : "دِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ" فليس من العدل في شيء أن يُقتل إنسان أو يحاكم أو يسجن لا لشيء إلا لأن أباه أو أخاه أو إبنه أو عمه أخطأ بقتل آخر، فكل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازة وزر أخرى .

وفي هذا البيان أو الخطبة نفسها يمنع ويحذر صلى الله عليه وسلم من الاستغلال الاقتصادي والاحتكار والغش والتدليس والغرر في البيع والشراء، ويحرِّم كذلك تحكُّم الأغنياء في الفقراء، فيقول عليه السلام: "وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ" .

لأن الربا ظلم مبين، وهدر لحقوق الإنسان وكرامته واستغلال حاجته، والتحكم فيه واستعباده؛ لهذا الرسول الأكرم منع هذا النوع من التجارة المبنية على استغلال الناس وأخذ أموالهم بغير وجه حق عن طريق التعامل الربوي .

وفي هذا الموقف الجامع والمهيب يوصي صلى الله عليه وسلم في خطبته بحفظ حقوق النساء، التي كثيرًا ما تتعرض لهدرٍ عظيم إلى يوم الناس هذا من قبل شقيقها الرجل، فيقول صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ" .

ثم ينتقل صلى الله عليه وسلم في خطبته ويُسَطِّر قانونًا دوليا عالميا من أعظم قوانين الإنسانية، وهو قانون المساواة، ونبذ العنصرية والطبقية، وعدم الاعتبار مطلقًا بفروق الجنس والعرق والدين واللون والمال والنسب والحسب والجاه والنفوذ والسلطة، فيقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى" .

فقد جسد صلى الله عليه وسلم هذه القوانين والتوجيهات على أرضية واقعه وحياته العملية ولهذا لم يعارض في أن يصعد عبدٌ حبشي أسود ليعلن الآذان على سطح مسجده صلى الله عليه وسلم، كما أن لم يمانع في أن يصعظ إلى قمة الحكم في الدولة الإسلامية، بل إنه يوصي أصحابه وأمته أن يسمعوا له ويطيعوا، ولا يجعلوا فارق اللون أو الثروة مانعًا لهم أن يتبعوه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ، مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" .

أين العالم اليوم من هذه القوانين والتوجيهات النبوية الشريفة، وأخص بالذكر عالمنا الإسلامي الذي يموج في بحر من الظلم والقهر والدم والقتل والإنتهاكات الصارغة في أبسط مجالات حقوق الإنسان ، والله المستعان . وكل عام وأنتم بخير وعيد أضحى مبارك .