مغاربة العالم والنموذج التنموي

مغاربة العالم والنموذج التنموي

النموذج التنموي خيار إستراتيجي يمتد في كل مناحي الحياة، والغاية منه تطوير المجتمع وإخراجه من حال مأزوم إلى حال متوازن، وهو عمل ليس اقتصاديا وتدبيريا فقط، لهذا لا يمكن إنجازه تحت قواعد الحكامة التقنوبيروقراطية ضيقة الأفق، وإنما تحت قواعد الإستراتيجيات الواعية باللحظة التاريخية وشروطها.

لا يتم الوعي بالشروط التاريخية إلا بقراءة جيدة للماضي، وتحديد الثغرات والأعطاب التي أوصلت الوضع إلى ما هو عليه؛ كما يجب تحديد المسؤوليات واستشراف المستقبل دون أي مغامرة غير محسوبة، لأن تكرار الأخطاء يؤدي إلى نتائج مؤلمة، خصوصا في ظل الاحتقان الكبير الذي نعيشه مؤخرا، نظرا للأوضاع الاجتماعية الصعبة لفئات عريضة من المواطنين.

إن الوعي بجوهر النموذج التنموي يقتضي استحضار كل الإمكانيات المتاحة لإعداده، ومنها الأدوار المهمة لمغاربة العالم. لقد كان لهؤلاء، منذ الاستقلال، دور أساسي في النسيج الاقتصادي والاجتماعي المغربي، وتحملوا الكثير من الأعباء جيلا بعد جيل، لكنهم بالمقابل لم يلقوا الاهتمام اللازم ولا الاعتراف الكافي، ولم يتم حتى استثمار إمكانياتهم كما يلزم من أجل تطوير أدوارهم والرفع من مستوى فاعليتها.

إن سوء الاهتمام بمغاربة العالم واحد من الأعطاب التي يجب استحضارها، وهي جزء من فشل النموذج التنموي السابق. ولا بد من الوقوف عند هذا العطب من طرف مختلف الفاعلين الذي ينكبون هذه الأيام على إعداد مقترحات لنماذج تنموية تسعى إلى الخروج من الأزمة. وجوهر هذا العطب هو التعامل المرتبك وغير المبني على برامج واضحة تجاه هذه الفئة، إضافة إلى أن إشراكها في القرار مازال في مستوى صوري وشكلي، ولا يمتد إلى الجوهر؛ إضافة إلى كون تمثيليات مغاربة العالم تركز في الجزء الأكبر منها على أوروبا، خصوصا فرنسا؛ وهذا معناه أن جزءا كبيرا من مغاربة العالم يعانون من الإقصاء المضاعف: إقصاء في علاقتهم ككل مع المؤسسات الرسمية، وإقصاء من داخل المؤسسات التمثيلية، وهو أمر لا بد من إعادة النظر فيه، إذ لا يخفى على أحد اختلاف أوضاع المهاجرين المغاربة وإمكاناتهم ومتطلباتهم بين أوروبا وأمريكا ودول الخليج، وهو ما يعني دمقرطة التمثيليات بشكل أوسع حتى نبني رؤية كلية وسليمة عن الوضع، وحتى تكون القراءة لواقع هذه الفئة حقيقية، وتكون السياسة الرسمية تجاههم ناجعة لهم وللوطن، لأن الكثير من الحقائق والمطالب تضيع في طرائق اختيار التمثيليات، وهيمنة البعض على البعض الآخر كما ذكرت سابقا.

لكن في المقابل يجب على مغاربة العالم الانتظام في جمعيات وهيئات والاشتغال على برامج ذات أهداف واضحة، وتصب في جوهر النموذج التنموي المراد إنجازه، دون أن ننسى دورهم في تقديم الرؤى من خلال معرفتهم الكبيرة وقربهم من تجارب الدول التي يقيمون فيها، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو غيرهما، مادام معظمهم يعيشون في دول متقدمة ذات تجارب جديرة بالاستلهام.

مادام النموذج التنموي رؤية كلية للسياسات الواجب اتباعها في جميع المجالات، فإن عدم إشراك مغاربة العالم في صياغته وتنفيذه سيكون ثغرة كبيرة فيه، كما سيكون هدرا كبيرا لطاقات تسعى إلى خدمة الوطن بكل تفان. ويبدأ هذا الإشراك من المقترحات التي تهيئها الأحزاب السياسية ومختلف الهيئات والمجالس، وصولا إلى الصياغة النهائية التي ستشرف عليها الحكومة ويقرها البرلمان بغرفتيه، لأننا أمام منعطف مصيري في تاريخنا، وهو منعطف لا مجال فيه للخطأ أو التهاون. وإشراك الجميع ضرورة لإنجاح هذه الانعطافة، وهذا الإشراك هو ما ظلت الخطابات الملكية تؤكد عليه في كل مناسبة.

* مغربي مقيم بأمريكا.