عن الشرطي الذي رفض مصافحة المحتل أتحدث

عن الشرطي الذي رفض مصافحة المحتل أتحدث

إنه شرطي باب سبتة المحتلة الذي رفض مصافحة رئيس الحزب الشعبي الإسباني، بابلو كاسادو. من منكم لم يقشعر بدنه وهو يرى المشهد، ويتذكر في خجل وعجز أن هناك أرضا مغربية محتلة كادت تسقط من الذاكرة.

في لقطة لا تتعدى بضع ثوان، أحيا فينا عبد الله تانشوفت ذكرى أرض، مدينة سبتة.

لقطة اختزلت محاضرات.. وكلاما..

ومشهد اختزل تاريخ أرض.. ومواقف رجال..

مشهد ضاج.. إلا من صمت عبد الله وموقفه.. ونظرته..

موقف.. ونظرة.. وصمت.. ولغة جسد متصالحة مع المبدأ.. رافضة لأي انكسار أو ذل، أو خضوع، أو مصافحة أو... اعتراف!

غيرة على أرض.. وعلى وطن!

صمت ابن الأطلس ونظرته الثابتة أسالا تصفيقا وكلاما.. وموقفه أسال أقلاما!

لم أستغرب.. فقد ولدنا في زمن الضعف والخذلان.. زمن عز فيه الرجال وشحت المواقف.. زمن مللنا فيه ترديد أسطوانة الماضي المجيد التليد!

ومن كثرة المواقف المخزية والانكسارات، من كثرة الانحناء، صرنا نصبغ على المواقف الطبيعية للرجال ثوب البطولة. وكلما لاح لنا موقفا جرينا به في حماس الأطفال لنعلنه، لنثبت لأنفسنا ربما أنه ما زال في النفوس بعض من نخوة وكرامة، وما زالت الأرض تلد الرجال!

هل تغير شيء بعد موقف عبد الله؟! لا

ما زالت سبتة محتلة.. وما زال عبد الله هو هو.. واقف على بابها.. يصهر شبابه في بوتقة الوقوف على ثغر محتل.. أي إحساس بالغبن ذلك الذي يحسه كل يوم والذي تمخضت عنه أجمل المواقف!

ما زلنا مذ ولدنا وقبل أن نولد بقرون والأرض محتلة.. أخبرنا الآباء بأنها محتلة.. وأخبرنا بدورنا الأبناء بأنها أرض مغربية محتلة.. وتمر القرون، وما زلنا في طور الإخبار!

6 قرون مرت بين احتلال برتغالي وإسباني، 6 قرون ونحن ننقل الخبر أبا عن جد.. حتى لا ننسى!

6 قرون.. جفت الأرض أبطالا.. وأبت أن تلد! ونحن كالبؤساء ننتظر جيلا بعد جيل، مرت الأرض بمخاضات أجهضت.. وفشلت.. ولم يكتمل الميلاد!

للأرض حب...!

وللأرض المغتصبة وجع.. تحسه وأنت تدخلها كأجنبي بجواز سفر وفيزا.. يعذبك الدخول، والأرض تئن تحت نعليك، غاضبة منك بحجم القرون التي أمضتها في الأسر وما تزال.. ونظرتها تعاتبك في حب.. وتشتاقك!

تحبها.. لكنك تأبى الرجوع.. فكلما اقتربت ازددت شوقا.. وهي في القيد! ولن يزيدك قربها إلا عطشا!

سبتة.. الفاتنة، التي تسكن قلب كل مغربي، مجروحة الكبرياء.. محطمة الكرامة.. أقدم أسيرة في تاريخ المدن، أضناها البحث عن فارس وعن بطل!

سبتة.. العروس التي اختطفت.. الأسيرة التي تناقلتها الأيادي.. شابة لن تشيخ.. ولن يتعبها انتظار البطل.. هكذا أخبرتني عيناها في آخر لقاء!

لعل أنبل شيء فعله عبد الله، إحياؤه جرحا في قلب كل مغربي وعربي اسمه.. سبتة!

فتحية من القلب لابن الأطلس.. حيثما كان!