المقامة التقاعدية

المقامة التقاعدية

حدّثنا معلم متاقعد وقال:

كنا شبابا في أيام الخدمة، نمضي للعمل صبحا ونعود في العتمة، عملنا في الصحاري والأودية، قطعنا المسافات ركبانا في الحافلات ثم في الشاحنات أجسامنا تحت الحوافر مرمية، سكنا الأكواخ والأضرحة المنسية،نورنا شمع وماؤنا نقع وطعامنا زيت وبيض وخبز من أيام ماضية. خبرنا الحياة بتفاصيلها القاسية، شهدنا كرم البداوة مهما شقت الحياة وكانت البلاد نائية.

ذهبنا إلى القرى معلمين بحماس وهمة عالية، استحضرنا شعارات التكوين كم كانت جميلة صورها وهمية فقمنا بكل الأدوار دور الفقيه والممرض والمؤذن ومترجم الدوار، درّسنا العلوم والآداب، وصل المتنبي إلى البراري والشعاب وترددت أشعار لافونطين في القمم مدوية.

جميلة تلك الأيام في البادية!

وجاء الانتقال إلى الحاضرة، بالأضواء والشوارع العامرة والسكن والقروض والإصلاح الموعود وهمّ الأسرة وضآلة الأجرة بدأ مسلسل الزيارات الطبية وكثرت واجبات الساعات الإضافية، اشتعل الرأس شيبا فحولونا من مدرسين إلى قيمين على مختبرات تجريبية، جربنا الأهداف بتصنيفاتها الغيبية وغرقنا في دهاليز الكفايات، في متاهات السلالم والدرجات ففهمنا بأن الأمر ليس سوى عروض ومشتريات.

تنهد المعلم المتقاعد وقال:

تلك حياتنا المهنية، لا تخبر أسرارها إلا حين توشك منتهية، فيها آمال تحطمت وأخرى بالكاد تحققت، عزاؤنا عقول تنور ووعي يبلور وقلق يتعاظم ويتكاثر.

بدأت الخاطرة على شكل المقامة البغدادية، لكن القلم انحرف إلى انطباعات حقيقية عملنا في الظل أعظم من الهتافات النضالية وأرقى من السجالات التلفزيونية، فنحن فئة خلقنا لنحترق تنويرا لرجالات آتية.

تقولون لم هذه السوداوية.. والمكرم أمير انعتق من أغلال الخدمة ليعانق عوالم الحرية، أعذروني فما أنا إلا كاتب كلمات والحياة ليست دائما وردية.