أقوال في الشعر

أقوال في الشعر

الفن هو عملية تفاعل إنساني فحواها نقل إنسان للآخرين، عن وعي مستعملا رموزا وإشارات خارجية معينة، المشاعر والأحاسيس والتجارب التي عاشها، فتنتقل عدواها إليهم أيضا، فيعيشونها ويجربونها..هكذا عرف ليو تولستوي الفن والإبداع، وهو على بساطته يُعَد شاملا.

الحقيقة أن أصل عملية الإبداع هو الغموض، ومهما يكن الجنين الذي يبدأ الشعر منه، واقعة أو حدثا أو إحساسا داخليا أو عاطفة شخصية أو منظرا أو فكرة، فإن الموضوع المتصل به لا يمكن أن يكون قائما في فراغ، وإنما يتوالد وينتشر في دواخل الشاعر بروحه وأحاسيسه جميعها، ويجعله في حالة الترقب المضطرب الخيال بسبب حواجز لا يمكن اجتيازها وكلمات مبعدة ولحظات التحسس الأعمى، بل وقد يقطع مسودة العمل كله ويبدأ من جديد. يقول أفلاطون: كل الشعراء الكبار، الملحميون منهم والغنائيون، ينظمون قصائدهم الجميلة ليس كروائع فنية، بل لأنهم ملهمون وموسوسون.

إن رسالة الفن عموما والشعر خاصة هي الوضوح والتواصل والاتصال. والشاعر إنسان يتحدث إلى الإنسانية ويعمل جاهدا للعثور على أجود الكلمات والألفاظ ذوقا في أجود الأنساق أفقا لكي يجعل هذه التجربة الإنسانية تدوم وتعمر مرات ومرات لدى الآخرين. هنا يجب استحضار مقولة هوراس: لا يكفي للشعر أن يكون جميلا، ينبغي أن يكون له سحر وأن يقود روح السامع والمستمع إلى حيث يريد. أما فولتير فقال إن للشعر حسنة واحدة قليلون ينكرونها: إنه يقول أكثر من النثر بكلمات أقل. أوجين فيلز قال: عود هوميروس محطم، وقيثارة هوراس مقطعة الأوتار، وأصوات المنشدين العظام قد خفتت، ولكن أناشيدهم خالدة بقيت. أيها القارئ ماذا أضفى الخلود على هذه الملحمة أو ذاك الشعر الغنائي؟ إن الناظم أو المنشد يعيش مائة سنة، وشعره وأنشودته تخلد في الزمن.

في البدء كان الشعر متصلا بالجنون، ولا يمكنك أن تصبح شاعرا دون قدر أو شيء من الجنون كما قال ديموقريطس؛ في حين أن أفلاطون يقول إنّه متى أصاب الإنسان أي إنسان الحب يتحول إلى شاعر. والشعر هو أصدق مؤرخ لأنه يمتص الصدق من شفتي الحياة، ويجعل الإنسان الشاعر مخلصا وعميقا في رؤياه وجوهرة ثمينة في أعين المجتمع، إنه سجل لأفضل اللحظات وأسعدها لدى أسعد وأفضل القراء. والشعر هو الميدان الذي يحتكر الجمال، حتى إن البعض يفضل المغامرة بمستقبله من أجل قصيدة واحدة بدل العشرات من الروايات والكتب. ولا يفترض في الشعر أن يعني بل أن يكون معرفة. وموضوع الشعر بالنسبة للشاعر أي شاعر هو ما تمثله المواد المتينة من إسمنت ورمل وحديد وغيرها بالنسبة إلى المهندس.

الشعر ما هو إلا زفرات نبض قلب يفيض، وهو تقليد لتلك الصرخة الحزينة عندما نفقد المال والأمل، وهو أيضا تقليد لتلك الصيحة فرحا عندما نعثر ونجد المال والأمل. الشعر هو الماء وهو الهواء الذي يصفو ولا يتكدر، وهو الدواء الحقيقي للعقل والقلب. الشعر ليس فسحة ولا نزهة، بل هو شبيه باللعنة التي تولد معك وتقلب مجرى ومسار حياتك. الشعر في آن هو بركان حارق وبستان زهور وورود للروح.

سيظل الشعر جمرة متقدة مشتعلة لم ولن تنطفئ ولن تخبو أبدا. يقول روبيرطو بولانو إن القريض لن ينقرض، هو يعاني (أي الشعر) في كل فترة من التحولات ومن مرحلة من التنقلات والتهجين. ورغم وجود الكثير من مدارس الشعر بشقيه الفصيح والزجلي، إلا أن الشعر جد قليل، إذ يلاحظ الجميع ظهور فئة طفت على الساحة الجمعوية وليس الثقافية لشعراء يسيئون إلى الشعر بنقلهم وتقليدهم لشعر غير ناضج تارة وأخرى بسرقته دون ذكر اسم مبدعه.

أخيرا، النثر جار الشعر ونزهة الشاعر..الشاعر هو الحائر بين النثر والشعر كما قال محمود درويش في كتابه المعنون "في حضرة الغياب". وبما أن الغاية الوحيدة للشعر هي جعل المتلقي والقارئ يحسن الاستمتاع بالحياة أو يحسن على الأقل تحملها، ففي حاضرنا لن يكون بمقدورك التحقق من قراءة الشعر، أي شعر، إلا بسماعه بعينيك، ولأنه يستحيل سماعه بعينيك فإنه عليك رؤيته بأذنيك، لذلك نجد أن بعض النقاد يفرقون بين أهل السقيفة وأهل السليقة، لأختم ببيت لابن الدهان البغدادي الذي يعكس واقع الإبداع عموما والشعر بالأخص في هذا المقتطف من قصيدته:

لا تحسبن أن بالشعر مثلنا ستصـير ** فللدجـاجة ريش لكنها لا تـطـير

الإنسانية هي الحل