حب في الجامعة

حب في الجامعة

لم يكن الأمر بالسهولة التي قد يخالها قارئ هذه الأسطر، وإنما يسره ذلك الدافع الأرجواني الذي حملني على تنفيد أولى العمليات الذكية في عالم الانتقام.

القصة مزج بين الواقع والخيال، ونفحات من الماضي المشاغب لفتى وهب كل وقته للمعرفة، وجاوز بعبقريته حدود المألوف بدرجات. الشخصيات هنا شبه واقعية، والأحداث شيء مما كان يجب أن يقع لولا همس الضمير وترانيم الوعي اليقظ.

تبدأ حكايتنا المشوقة كأفلام هوليود، وقصص روبنهود ينقصنا فيها المحقق كونان ليتم فصولها، ويكمل الباقي جيمس بوند على إيقاع روايات أكاثا كريستي والمبدع نبيل فاروق في سلسلة رجل المستحيل.

هي أولى كتاباتي في عالم القصص البوليسية، والخيال العلمي ذات الجودة والتشويق، فاحزموا أمتعتكم، فالطائرة على وشك الإقلاع، ومن لغا فلا عذر له..

في مدرجات جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس تبدأ حكايتنا، حيث أخذ كل طالب مكانه في أحد المدرجات العامرة، وقد أخرجنا عدة الدراسة مترقبين ولوج الأستاذ لتبدأ الحصة..

كنت حينها طالبا متميزا، ذائع الصيت في الكلية، لي أصدقاء كثر أشاركهم تفاصيلي في عالم الكتابة، ونحتسي معا لذة القراءة وفناجين المعرفة حتى نثمل. وكانت لي صديقة اسمها رباب كانت أقرب الخلان وأحبهم إلي، تجمعنا علاقة وطيدة سواء داخل أو خارج أسوار الجامعة، نتواصل باستمرار، ونحكي عن أحلامنا ونداعب حرارة الواقع بلمسة من السخرية وكثير من البوح.

كانت الأكثر وسامة بين زميلاتها، وكانت دائما ما تحجز لي مقعدا بجوارها قبل بدء الحصة الدراسية لنجلس معا. هذا الشيء بالذات هو الذي سيكشف بعد حين.. العديد من الأسرار والكثير من التفاصيل حول أستاذنا الكريم..

كنا ندرس في شعبة اللغة العربية، وبالذات تخصص اللسانيات بمختلف فروعها في سلك الماستر. وكانت من بين المواد الثانوية التي تدرس لنا في الفصل الدراسي الثالث مادة اللغة الفرنسية بمعامل أقل أهمية. وقد خصصوا لها أستاذا كرهته منذ أول نظرة. وسأكتشف فيما بعد أن حدسي لم يخن، وأني كنت ذا فراسة قوية اختصرت علي الكثير من المسافات التي كانت ستأخذ مني شحنة كبيرة من الحماس للدراسة، وكذلك كان..

كانت صديقتي تكبرني بثلاث سنوات لكن جمالها ينسيك فرق السنين، ودائما ما دفعني فضولي إلى التساؤل حول تلك السنوات أين قضتها قبل ولوج الماستر، لأقف ذات يوم وبالصدفة على سر سيكون سببا في توطد علاقتنا للأبد.

كنت أتجول في أحد شوارع مدينة فاس قبل مروري بمحاذاة ولاية الأمن، لأتفاجأ بصديقتي رباب خارجة من هناك، ففهمت بعدها أنها تعمل لصالح المخابرات في جامعة فاس، حيث الحركة الطلابية بين الرفاق والإخوان تنذر بهيجان حول المطالب المشروعة في ظل زحف الربيع العربي من الشرق. وقد اعترفت لي بعد حين بأنها مجندة لذلك وبأني الوحيد الذي يعرف أنها جاسوسة بين صفوف الطلاب، ووعدتها بأن أكتم سرها للأبد، ووعدتني بأنها لن تخبر رئيسها باكتشافي للأمر، لأنها لا تقوى على الفراق بيننا، فبمجرد إخبارها إياه، سيتم تحويلها إلى جامعة أخرى.

أصبحنا نلتقي كثيرا، ونخرج سوية، ونذاكر معا، ونتواصل صباح مساء حول العديد من الأفكار ذات الصلة بواقعنا والدراسة والحب، فنبوح بالعديد من الأسرار، وكان الحديث بيننا لا ينقطع إلا على موعد مع الحلقة المقبلة.

كانت تمدني بكل تفاصيل عملها، وكنت أعينها على ذلك؛ لأنني كنت محبا للروايات البوليسية كثيرا، وتعلمت منها بشكل عصامي كيف أن الحياة رقعة شطرنج تحركها أياد خفية..

اقترحت علي رباب أن أعمل معها في صفوف المخابرات، وأنها ستخبر رئيسها بنبوغي وتوقد ذكائي؛ وهو ما سيجعل الأمر سهل التحقق وقريب المنال. لكنني رفضت الأمر بحجة أنني لا أحب هذا الميدان وتبعاته، فاحترمت رأيي، واستمرت حكايتنا معا.

وذات مساء خريفي ممطر اتصلت بي رباب في رقمها السري الذي لا يعرفه سواي، وأخبرتني بأنها تتواصل مع أستاذ اللغة الفرنسية عبر الهاتف، وأنه أبدى لها مشاعره ونيته في منحها نقطة عالية شرط أن تصبح مقربة إليه وتلبي غرائزه.. ومباشرة أخبرتها بأن لا تسترسل معه في الحديث وتقفل الخط، وتعتذر له في الغد بحجة أن صبيب الأنترنيت قد نفد.

التقينا صباحا قبل الحصة الدراسية بساعة، وهيأنا خطة للإيقاع بهذا الوغد الذي منحني في معدل المادة عشر نقط على عشرين، كانتقام منه لأني صديق مقرب لرباب. كانت نظراته إلي في الحصص تبدي حنقا وتذمرا، ولكنني كنت أكثر دبلوماسية معه، ما كان يزيد من غيظه وتوتر أعصابه.

اشتكيت للإدارة حول النقطة لأنني اجتزت امتحانه بشكل مميز، وأستحق العلامة الكاملة، وحين لم يستجب لي أحد قررت أن آخذ حقي بيدي، وهنا تبدأ رحلة انتقام لذيذ بطعم الوفاء بيني وبين رباب.

كانت رباب تبعث لي كل صور المحادثات، وتبدي طيبة وهدوءا وغنجا حين تحادثه، وتأتي إلى الجامعة بلباس يزيد من تعلقه بها واضعة أفخر العطور ومساحيق التجميل وتسريحات للشعر غاية في الإثارة. وبعد كل حصة، تدنو من مكتبه وتسأله عن شيء له علاقة بالدرس تمهيدا وتوطئة للإيقاع به. وكنت العقل المدبر لكل هذا، لكن أعمل في الخفاء.

يوم الأحد اتصلت برباب، واتفقنا على اللقاء في مقهى فينيزيا بمحطة القطار بعيدا عن أعين الفضوليين، وتحديدا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وحين أتت بدأنا نرسم معالم الخطة، ونضع الخطط البديلة على نهج رجال عصابات الياكوزا باليابان، ولا نترك صغيرة أو كبيرة إلا اهتممنا بها، وقد زاد من جمال المشهد ذكاء رباب المتوقد، وعلاقتنا الصادقة التي كانت تنمو يوما بعد يوم.

أخبرتها بأن الانتقام يجب أن يكون لسببين، أولهما تصرف الأستاذ اللامسؤول تجاه الطالبة ومساومتها على النقطة وتحرشه بها، والسبب الثاني هو ظلمه لي في التصحيح دون ذنب مني.

أخبرتها بأن عمليتنا سنحتاج فيها إلى أشخاص آخرين: سائق محترف، ومتخصص في المعلوميات، وصانع مفاتيح، ومصور محترف. فأبدت بابتسامتها أن الأمر هين وهؤلاء موجودون من معارفها في صفوف الأمن، زملاء في المهنة. فبدأت أشرح لها الخطة، بعد أن جمعت كل المعلومات الشخصية عن الأستاذ: سنه وعدد أبنائه وعنوان سكنه والمقهى الذي يرتاده والحمام الذي يقصده نهاية كل أسبوع وتوقيت عمله بالجامعة وأرقام هواتفه، بل وبعض الأسرار الشخصية الإضافية؛ وهو ما فاجأ رباب من سرعة تفاعلي مع الموضوع. فأخبرتها بأنني لم أنم لثلاث ليال متتالية كرستها لتعقب الأستاذ والبحث عن أسراره دون أن يستشعر هذا. وقد افتعلنا خصاما وهميا بيننا زاد من تقرب الأستاذ من رباب، وذلك ما كنا نبغي..

الخطة كالتالي: الأستاذ يأتي إلى حمام الرحمة العمومي مساء كل أحد على الساعة الثامنة، ويركن سيارته الفاخرة 4*4 ذات اللون الرمادي في مرآب قرب مقهى العاصمة بحي الأمل. وقد التقطت صورا لنوع المحفظة التي يضع فيها ملابسه كلما أتى ليستحم، وقمت بشراء مثيلة لها بالأمس. وللإشارة، فالحمام يكون غاصا بالناس ليلة الأحد؛ وهو ما سيسهل الخطة. سآتي إلى الحمام قبل الثامنة بنصف ساعة، وبمجرد أن أبصره داخل الحمام سأخرج وأطلب حقيبتي من العامل لأرتدي ملابسي، وأفرغها من لباسي وأبقي فيها بضعة أثواب لكي لا يتغير شكلها الخارجي، وأرجعها إليه بدعوى أنه أخطأ، وأستلم الحقيبة الأخرى ثم أخرج من الحمام.

هكذا كان، وقد كنت منهمكا في غسل وجهي بالصابون وشعري بمسحوق الشامبوان متنكرا، حين أبصرت الأستاذ متوجها إلى الغرفة الداخلية الساخنة في الحمام. ابتسمت حينها وصببت الماء على عجل، وبسرعة -تدربت عليها في منزلي- لبست وغيرت الحقيبة ثم خرجت..

وجدت رباب والسائق في انتظاري كما اتفقنا في المرآب، وأخرجت مفاتيح السيارة من معطف الأستاذ، ثم انطلقنا كالسهم بالسيارة الأوتوماتيكية بعد أن أطفأنا الكاميرا، وارتدينا قفازات لا لدرأ البرد ولكن لكي لا نترك بصمات بعد الواقعة..

وفي مكان بعيد عن أعين الفضوليين فتحنا الحقيبة، وأخرجنا الحاسوب الشخصي للأستاذ ثم اتجهنا نحو مقهى الأدارسة، حيث كان المتخصص في المعلوميات في انتظارنا، فتحنا الحاسوب الذي كانت شيفرته: رباب 18..

نسخنا كل المعلومات في قرص مدمج، ووضعنا برنامجا سريا في حاسوب الأستاذ لتعقبه ومعرفة كل نشاطاته عن بُعد. ثم انطلقنا كالسهم نحو السيارة، وأرجعنا الحاسوب إلى مكانه، قبل أن ألج الحمام في عجلة من أمري واضعا الحقيبة في غرفة الانتظار بها أغراض الأستاذ، ثم خرجت دون أن ألفت الانتباه..

في الغد، لم نبد في الحصة أية ردة فعل، وجلس كل منا في مكان؛ لكننا اتفقنا على جلسة شاي مع الأستاذ لم يكن يعلم أنها ستكون نهايته المأساوية، فقد اكتشفنا ضمن ملفات حاسوبه الشخصي أنه جاسوس للمخابرات الإسرائيلية الموساد، يعمل بخفاء. أعلمنا كل السلطات وقررنا أن نحتسي معه آخر فنجان قهوة قبل الزج به في غياهب السجن، فمن يخون الوطن كيف لا يخون الشرف والعلم، ومن يظلم مبادئه ويتنكر لدينه مقابل علاوات وأوسمة ورشاوى ودولارات يسيل لها لعابه كيف لا يظلم طالبا متفوقا دون أن يتحرك في قلبه مثقال أنملة من حس أو ذرة إنسانية..

بعد لقائها به في الموعد المحدد بمقهى الريف، أخبرته رباب بأنها ستعرفه بشخص جديد.. فإذا بي واقف بين يديه تعلوه نظرات الغرابة التي يقتسمها معنا وابتسامة رباب لا تفارق ثغرها. هم بالوقوف فأخبرته رباب بأن الوقوف انتهى، وربتت على كتفه ليهدأ. جلسنا ثم ألقيت عليه محاضرة بلغة موليير، لأعلمه أني أتقن الفرنسية ربما أفضل منه، وحكت له رباب تفاصيل القصة بدقة متناهية.. فبهت الذي كفر. ثم نظرت ببرود إليه، واقتربت مني وعانقتني وسط ذهوله. جحظت عيناه ولم ينبس ببنت شفة..

وباتصال شخصي منها، طوقت المكان سيارات سوداء من رجال المخابرات المغربية، وتم اقتياد الظنين للمثول أمام الضابطة القضائية بتهمة التخابر والغش والتحرش وخيانة الأمانة.

تم الحكم على الأستاذ بأسبوع من الحبس النافذ، قضاه في سجن عكاشة بالبيضاء، ثم استأنف تدريسه بجامعة عين الشق بعد تنقيله من فاس. وقد لاقى الحكم رضا في أوساط كل رواد الحمام، وطلبة الفصل الدراسي الثالث من الماستر.

استيقظت على صوت رباب وهي تناديني، إنها السابعة صباحا، وقد اقترب موعد ذهابي للعمل..

هيأت لي فطورا شهيا، وحكيت لها عن الحلم، فابتسمت ملء ثغرها، وتراشقنا ببضع عبارات رائقة، ونحن نتابع التلفاز ونشرة الأخبار الصباحية التي أوردت خبرا مفاده أن معتقلي الريف قد حكم عليهم بعشرين سنة حكما نافذا.

اقتلعت آخر ورقة من اليومية الحائطية بغرفتي لسنة 2018، وقرأت بها :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ** ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ** بتاتا ولم تضرب له وقت موعدِ.